ثم قال {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ} فهذه جملة خبرية غير الجملة الطلبية التي تقدمتها أخبر فيها إنه لا يمكنه الصبر إلا به وذلك يتضمن أمرين الاستعانة به والمعية الخاصة التي تدل عليها باء المصاحبة كقوله فبي يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبي يمشي وليس المراد بهذه الباء الاستعانة فإن هذا أمر مشترك بين المطيع والعاصى فإن ما لا يكون بالله لا يكون بل هي باء المصاحبة والمعية التي صرح بمضمونها في قوله {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} وهي المعية الحاصلة لعبده الذي تقرب إليه بالنوافل حتى صار محبوبا له فبه يسمع وبه يبصر وكذلك به يصبر فلا يتحرك ولا يسكن ولا يدرك إلا والله معه ومن كان كذلك أمكنه الصبر له وتحمل الأثقال لأجله كما في الأثر الإلهي يعني"وما يتحمل المتحملون من أجلي"فدل قوله {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ} على أنه من لم يكن الله معه لم يمكنه الصبر وكيف يصبر على الحكم الأمرى امتثالا وتنفيذا وتبليغا وعلى الحكم القدري احتمالا له واضطلاعا به من لم يكن الله معه فلا يطمع في درجة الصبر المحمود عواقبه من لم يكن صبره بالله كما لا يطمع في درجة التقرب المحبوب من لم يكن سمعه وبصره وبطشه ومشيه بالله.
وهذا هو المراد من قوله:"كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها"ليس المراد إني كنت نفس هذه الأعضاء والقوى كما يظنه أعداء الله أهل الوحدة وأن ذات العبد هي ذات الرب تعالى الله عن قول اخوان النصارى علوا كبيرا ولو كان كما يظنون لم يكن فرق بين هذا العبد وغيره ولا بين حالتي تقربه إلى ربه بالنوافل وتمقته إليه بالمعاصي بل لم يكن هناك متقرب ومتقرب إليه ولا عبد ولا معبود ولا محب ولا محبوب فالحديث كله مكذب لدعواهم الباطلة من نحو ثلاثين وجها تعرف بالتأمل الظاهر.
وقد فسر المراد من قوله:"كنت سمعه وبصره ويده ورجله"بقوله:"فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي"فعبر عن هذه المصاحبة التي حصلت بالتقرب إليه بمحابه بألطف عبارة وأحسنها تدل على تأكد المصاحبة ولزومها حتى صار له بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله.
ونظير هذا قوله:"الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه".