قالوا ولأن ترك المحبوب الذي تحبه النفوس دليل على أن من ترك لأجله أحب إليه من نفسه وهواه، بخلاف فعل ما يحبه المحبوب فإنه لا يستلزم ذلك.
قالوا وأيضا فالمروءة والفتوة كلها في هذا الصبر.
قال الإمام أحمد:"الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى"
فمروءة العبد وفتوته بحسب هذا الصبر قالوا وليس العجب ممن يصبر على الأوامر فإن أكثرها محبوبات للنفوس السليمة لما فيها من العدل والإحسان والإخلاص والبر وهذه محاب للنفوس الفاضلة الزكية، بل العجب ممن يصبر عن المناهي التي أكثرها محاب للنفوس فيترك المحبوب العاجل في هذه الدار للمحبوب الآجل في دار أخرى والنفس موكلة بحب العاجل فصبرها عنه مخالف لطبعها.
قالوا: ولأن المناهي لها أربعة دواع تدعو إليها:
نفس الإنسان، وشيطانه، وهواه، ودنياه.
فلا يتركها حتى يجاهد هذه الأربعة، وذلك أشق شيء على النفوس وأمره قالوا فالمناهي من باب حمية النفوس عن مشتهياتها ولذاتها والحمية مع قيام داعي التناول وقوته من أصعب شيء وأشقه.
قالو أو لذلك كان باب قربان النهي مسدودا كله وباب الأمر إنما يفعل منه المستطاع كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه"
فدل على أن باب المنهيات أضيق من باب المأمورات، وأنه لم يرخص في ارتكاب شيء منه كما رخص في ترك بعض المأمورات للعجز والعذر.
قالوا ولهذا كانت عامة العقوبات من الحدود وغيرها على ارتكاب المنهيات بخلاف ترك المأمور فإن الله سبحانه لم يرتب عليه حدا معينا فأعظم المأمورات الصلاة وقد اختلف العلماء هل على تاركها حد أم لا؟
فهذا بعض ما احتجت به الطائفة.
(فصل)
وقالت طائفة أخرى بل الصبر على فعل المأمور أفضل وأجل من الصبر على ترك المحظور، لأن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المحظور والصبر على أحب الأمرين أفضل وأعلى وبيان ذلك من وجوه