وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْكَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَإِذَا أَمَرْتَ بِشَيْءٍ فَكُنْ أَوَّلَ الْفَاعِلِينَ لَهُ، الْمُؤْتَمِرِينَ بِهِ، وَإِذَا نَهَيْتَ عَنْ شَيْءٍ، فَكُنْ أَوَّلَ الْمُنْتَهِينَ عَنْهُ، وَقَدْ قِيلَ:
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ ... هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ؟
تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ مِنَ الضَّنَى ... وَمِنَ الضَّنَى تُمْسِي وَأَنْتَ سَقِيمُ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَمِيمُ
ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
هُنَاكَ يُقْبَلُ مَا تَقُولُ وَيُقْتَدَى ... بِالْقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ
فَالْعَمَى عَنْ عَيْبِ الْوَاعِظِ مِنْ شُرُوطِ تَمَامِ الِانْتِفَاعِ بِمَوْعِظَتِهِ.
وَأَمَّا تَذَكُّرُ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ خَشْيَتَهُ وَالْحَذَرَ مِنْهُ، وَلَا تَنْفَعُ الْمَوْعِظَةُ إِلَّا لِمَنْ آمَنَ بِهِ، وَخَافَهُ وَرَجَاهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ} [هود: 103] وَقَالَ {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} [الأعلى: 10] وَقَالَ {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات: 45] وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] فَالْإِيمَانُ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَذِكْرُهُ: شَرْطٌ فِي الِانْتِفَاعِ بِالْعِظَاتِ وَالْآيَاتِ وَالْعِبَرِ، يَسْتَحِيلُ حُصُولُهُ بِدُونِهِ.
{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) }
فإن قيل أي الصبرين أحب إلى الله؟
صبر من يصبر على أوامره أم صبر من يصبر عن محارمه؟
قيل هذا موضع تنازع فيه الناس فقالت طائفة الصبر عن المخالفات أفضل، لأنه أشق وأصعب فإن أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يصبر عن المخالفات إلا الصديقون.
قالوا: ولأن الصبر عن المحرمات صبر على مخالفة هوى النفس، وهو أشق شيء وأفضله.