يرجع المبطن بعد على مظهر، ويظهر معنى ما أبطنه، وربما بعد موضع أثناء توجه
الخطاب فتداخلت المعاني لذلك، فاشتبهت المعاني لتشابهها، فكانوا يظنون لقلة
فقه قلوبهم ووقر أسماعهم عن تفهم تناسق الخطاب مع مفترق المعاني أنه تناقض
وتهاتر، ويقضون عليه بذلك أنه كذب وافتراء، وإنما هو كما قال جل من قائل:(اللَّهُ
نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ).
أتبع ذلك قوله الحق ما هو نصر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورد عليهم بقوله الحق: (قُلْ
نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ... (102) . أي: إنه محفوط من لدن حافظ
عليم، وفي قوله: (نَزَّلَهُ) إيماء إلى معنى قوله: (إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ
الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45) . نزله بما هو كلام لرب العالمين - جلَّ جلالُه -
وتعالى علاؤه وشأنه إلى ما هو كلام لروح القدس، نزله كذلك بالحق إلى ما هو
كلام للروح الأمين جبريل - عليه السَّلام - إلى قلب الرسول إلى لسانه - صلوات الله وسلامه
على جميعهم - إلى ما هو كلام للبشر وتلاوة لهم.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ...(104) . الإيمان بالله
وملائكته وكتبه ورسله وآياته شمس الباطن، به يهتدي الساري والسارب في أسفار
الأفكار، وبه يرى مثل مدارج الذر في خفي الإضمار، ومن عدم الإيمان عدم
البصيرة، ومن عُدِم البصيرة لم ينفعه بصره، هذا عذابهم في الدنيا(وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ)أي: في الدار الآخرة ( [....] ) .
قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ ...(106) . هذا - والله أعلم
بما ينزل - منتظم بالوصف، وهي الوفاء بالعهد والحفظ للميثاق، لا أن ينقضوا
أيمانهم وينكثوا عقودهم (كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا)
يقول: من كفر بالله من بعد إيمانه وشرح به صدره فعليه غضب من الله، ثم منهم من
أظهر الكفر على ظاهره وقلبه مطمئن بالإيمان.