(وَجَعَلَ لَكمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَر وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأسَكُمْ) ، و (جعل) بمعنى صيَّر وهيأ بأن مكنكم من أن تصنعوا ذلك لأنفسكم، و (السرابيل) جمع سربال وهو القميص، وذكر أن هذه السرابيل نوعان نوع يتقى به الحر، فلا يكون عاريا يتعرض للجو اللافح، كما يتعرض العراة من الزنوج الذين لم يتمكنوا من قمصان يتقون بها الحر، وقد قيل إن السرابيل يتقى بها الحر والبرد، فكيف ذكر الحر فقط، والجواب عن ذلك أن ذكر اتقاء الحر تستدعي لَا محالة ذكر اتقاء البرد، وإن لم يذكر بالنص فقد فهم بالاقتضاء، وقد ذكر سبحانه الدفء من قبل في قوله تعالى، (لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأكلُونَ) وإجابة الزمخشري بأن ذكر الحر يناسبهم دون البرد لأنهم لَا يحتاجون إلى اتفاء البرد، وعندي أن البلاد التي جوها قارِّي كبلاد العرب يكون بردها شديدا قارسًا.
والواقع أن الكلام - كله في اتقاء الحر، فذكر الظلال والبيوت والأكنان كل هذا في سياق اتقاء الحر فكان المناسب أن يذكر في مزايا السرابيل أن تقي من الحر.
والنوع الثاني من السرابيل وهو ما يتقى به البأس، وهو دروع الحرب، إذ البأس هو الحرب، كما في قوله: (. . . وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأسِ. . .) ، وأضاف سبحانه وتعالى الباس إليهم، لأنهم في الجاهلية هم الذين كانوا يثيرونها حروبا شعواء، تدعو إليها العصبية الجاهلية، وتدفع الحمية غير المدركة العاقلة كحرب البسوس، وعبس وذبيان، وغيرهما مما كانوا يثيرونه من حروب، فلم تكن حروبا عادلة؛ ولذا أضيفت إليهم.