واعلم أن كل ما عبد من دون الله ، فهو طاغوت. ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه. كما بينه تعالى بقوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى} [البقرة: 256] ، وقوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] ، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة} .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الأمم التي بعث فيه الرسل بالتوحيد منهم سعيد ، ومنهم شقي. فالسعيد منهم يهديه الله إلى اتباع كا جاءت به الرسل ، والشقي منهم يسبق عليه الكتاب فيكذب الرسل ، ويكفر بما جاؤوا به. فالدعوة إلى دين الحق عامة ، والتوفيق للهدى خاص. كما قال تعالى: {والله يدعوا إلى دَارِ السلام وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [يونس: 25] . فقوله: {فَمِنْهُم} أي من الأمم المذكورة في قوله: {فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} ، وقوله: {مَّنْ هَدَى الله} أي وفقه لاتباع ما جاءت به الرسل. والضمير المنصوب الذي هو رابط الصلة بالموصول محذوف. أي فمنهم من هداه الله. على حد قوله في الخلاصة:
والحذف عندهم كثير منجلي... في عائد متصل إن انتصب
بفعل أو وصف كمن نرجو يهب
وقوله: {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة} أي وجبت عليه ولزمته. لما سبق في علم الله من أنه يصيؤ إلى الشقاوة. والمراد بالضلالة: الذهبا عن طريق الإسلام إلى الكفر.
وقد بين تعالى هذا المعنى في آيات أخر. كقوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] ، وقوله: {فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير} [الشورى: 7] ، إلى غير ذلك من الآيات.
{إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) }