وما يفعل هذا إلا ظالم!! تعالى الله وتنزَّه عن قَوْل الجُهَّال والكافرين ، وأيضاً هناك مَنْ يقول: إن الإنسان هو الذي خلق الفعل ، ويعارضهم آخرون يقولون: لا بل رَبَّنا هو الذي يخلق الفِعْل .
نقول لهم جميعاً: افهموا ، ليس هناك في الحقيقة خلافٌ . . ونسأل: ما هو الفعل؟ الفعل توجيه جارحة لحدثٍ ، فأنت حينما تُوجِّه جارحة لحدثٍ ، ما الذي فعلته أنت؟ هل أعطيتَ لليد مثلاً قوة الحركة بذاتها؟ أم أن إرادتك هي التي وجَّهَتْ حركتها؟
والجارحة مخلوقة لله تعالى ، وكذلك الإرادة التي حكمتْ على الجارحة مخلوقة لله أيضاً .. إذن: ما فعلته أنت ما هو إلا أن وجَّهْتَ المخلوق لله إلى مَا لا يحب الله في حالة المعصية وإلى ما يحبه الله في حالة الطاعة .
كذلك لا بُدَّ أن نلاحظ أن لله تعالى مرادات كونية ومرادات شرعية . . فالمراد الكونيّ هو ما يكون فِعلاً ، كُلُّ ما تراه في الكون أراد الله أن يكون . والمراد الشرعي: هو طَلَبُ الشيء لمحبوبيته .
ولنأخذ مثلاً لتوضيح ذلك: كُفْر الكافر ، أراد الله كَوْنياً أن يكون ، لأنه خلقه مختاراً وقال: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] .
وطالما خلقك الله مختاراً تستطيع أن تتوجه إلى الإيمان ، أو تتوجه إلى الكفر ، ثم كفرتَ . إذن: فهل كفرتَ غَصْباً عنه وعلى غير مُراده سبحانه وتعالى؟ حاشا لله ومعنى ذلك أن كُفْر الكافر مُراد كونيّ ، وليس مراداً شرعياً .
وبنفس المقياس يكون إيمان المؤمن مُراداً كونياً ومُراداً شرعياً ، أما كفر المؤمن ، المؤمن حقيقة لم يكفر . إذن: هو مراد شرعي وكذلك مراد كوني ، وهكذا ، فلا بُدَّ أن نُفرِّق بين المراد كونياً والمراد شرعياً .
ولذلك لما حدثت ضجة في الحرم المكي منذ سنوات ، وحدث فيه إطلاق للنار وترويع للآمنين ، قال بعضهم: كيف يحدث هذا وقد قال تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97] .