جاء الفعل هكذا في المستقبل: سيقول . . إنهم لم يقولوا بَعْد هذا القول ، وهذا قرآن يُتلَى على مسامع الجميع غير خافٍ على أحد من هؤلاء السفهاء ، فلو كان عند هؤلاء عقل لَسكتُوا ولم يُبادروا بهذه المقولة ، ويُفوِّتوا الفرصة بذلك على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صِدْق القرآن الكريم .
كان باستطاعتهم أن يسكتوا ويُوجّهوا للقرآن تهمة الكذب ، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث .
وبذلك تمَّتْ إرادة الله وأمره حتى على الكافرين الذين يبحثون عن مناقضة في القرآن الكريم .
وهذه الآية: {وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ} [النحل: 35] .
تشرح وتُفسِّر قول الله تعالى: {سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 148] .
فهنا {سَيَقُولُ} وفي الآية الأخرى {قَالَ} ؛ لنعلم أنه لا يستطيع أحد معارضة قَوْل الله تعالى ، أو تغيير حكمه .
ثم يقول تعالى:
{نَّحْنُ ولا آبَاؤُنَا ...} [النحل: 35] .
لماذا لم يتحدث هؤلاء عن أنفسهم فقط؟ ما الحكمة في دفاعهم عن آبائهم هنا؟ الحكمة أنهم سيحتاجون لهذه القضية فيما بعد وسوف يجعلونها حُجَّة حينما يقولون: {إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 22] . إذن: لا حُجَّة لهؤلاء الذين يُعلِّقون إسرافهم على أنفسهم على شماعة القدر ، وأن الله تعالى كتب عليهم المعصية ؛ لأننا نرى حتى من المسلمين مَنْ يتكلم بهذا الكلام ، ويميل إلى هذه الأباطيل ، ومنهم مَنْ تأخذه الجَرْأة على الله عز وجل فيُشبِّه هذه القضية بقول الشاعر:
أَلْقَاهُ في اليَمِّ مَكتُوفاً وَقَالَ لَهُ ... إيَّاكَ إيَّاكَ أنْ تبتلَّ بالماءِ