وها هو الحال قَتْل وإزعاج للآمنين فيه؟!
والحقيقة أن هؤلاء خلطوا بين مراد كوني ومراد شرعي ، فالمقصود بالآية: فَمْن دخله فأمِّنوه . أي: اجعلوه آمناً ، فهذا مطلَب من الله تبارك وتعالى ، وهو مراد شرعي قد يحدث وقد لا يحدث . . أما المراد الكوني فهو الذي يحدث فعلاً . وبذلك يكون ما حدث في الحرم مراداً كونياً ، وليس مراداً شرعياً .
ثم يقول تعالى على لسانهم:
{وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ...} [النحل: 35] .
وقد ورد توضيح هذه الآية في قوله تعالى: {مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103] .
ثم يقول تعالى مقرراً:
{كذلك فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ...} [النحل: 35] أي: هذه سُنَّة السابقين المعاندين .
{فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين} [النحل: 35] .
البلاغ هو ما بين عباد الله وبين الله ، وهو بلاغ الرسل ، والمراد به المنهج"افعل أو لا تفعل". ولا يقول الله لك ذلك إلا وأنت قادر على الفِعْل وقادر على التَّرْك .
لذلك نرى الحق تبارك وتعالى يرفع التكليف عن المكْره فلا يتعلق به حكم ؛ لأنه في حالة الإكراه قد يفعل ما لا يريده ولا يُحبه ، وكذلك المجنون والصغير الذي لم يبلغ التعقل ، كُلُّ هؤلاء لا يتعلق بهم حكْم . . لماذا؟ لأن الله تعالى يريد أن يضمن السلامة لآلة الترجيح في الاختيار . . وهي العقل .
وحينما يكون الإنسان محلَّ تكليف عليه أنْ يجعلَ الفيصل في:
{فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين} [النحل: 35] .