أي: خلق لكم هذه الأنعام لأنه رءوف رحيم بكم، حيث لم يترككم تحملون أثقالكم بأنفسكم، وتقطعون المسافات الطويلة على أرجلكم، بل أوجد هذه الأنعام لمنافعكم ومصالحكم. ثم ذكر - سبحانه - أنواعا أخرى من الحيوان المنتفع به، فقال - تعالى -:
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً، وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ.
قال الجمل: «الخيل اسم جنس لا واحد له من لفظه، بل من معناه وهو فرس. وسميت خيلا لاختيالها في مشيها. والبغال جمع بغل: وهو المتولد بين الخيل والحمير .. » .
واللام في قوله «لتركبوها» للتعليل.
ولفظ «وزينة» مفعول لأجله، معطوف على محل «لتركبوها» .
والزينة: اسم لما يتزين به الإنسان.
قال القرطبي: «هذا الجمال والتزيين وإن كان من متاع الدنيا، إلا أن الله تعالى - أذن به
لعباده، ففي الحديث الشريف: «الإبل عز لأهلها، والغنم بركة، والخيل في نواصيها الخير» خرجه البرقاني وابن ماجه في السنن ... ».
والمعنى: ومن مظاهر فضله عليكم، ورحمته بكم، أنه خلق لمنفعتكم - أيضا - الخيل والبغال والحمير، لتركبوها في غزوكم وتنقلاتكم، ولتكون زينة لكم في أفراحكم ومسراتكم.
وأتى - سبحانه - باللام في «لتركبوها» دون ما بعدها، للإشارة إلى أن الركوب هو المقصود الأصلى بالنسبة لهذه الدواب، أما التزين بها فهو أمر تابع للركوب ومتفرع منه.
قال صاحب الظلال: وفي الخيل والبغال والحمير، تلبية للضرورة في الركوب، وتلبية لحاسة الجمال في الزينة.
وهذه اللفتة لها قيمتها في بيان نظرة القرآن ونظرة الإسلام للحياة، فالجمال - المتمثل في الزينة - عنصر له قيمة في هذه النظرة، وليست النعمة هي مجرد تلبية الضرورات من طعام وشراب وركوب، بل تلبية الأشواق الزائدة عن الضرورات. تلبية حاسة الجمال ووجدان الفرح والشعور الإنسانى المرتفع على ميل الحيوان، وحاجة الحيوان».
وقال بعض العلماء: وقد استدل بهذه الآية، القائلون بتحريم لحوم الخيل قائلين بأن التعليل بالركوب والزينة يدل على أنها مخلوقة لهذه المصلحة دون غيرها.
وأجاب المجوزون لأكلها، بأن ذكر ما هو الأغلب من منافعها - وهو الركوب والزينة - لا ينافي غيره.