وقوله تعالى: {ومنه شجر} نظير قوله: {منه شراب} .
وأعيد حرف (من) بعد واو العطف لأن حرف (من) هنا للابتداء ، أو للسببية فلا يحسن عطف {شجر} على {شراب} .
والشجرَ: يطلق على النبات ذي الساق الصُلبة ، ويطلق على مطلق العُشب والكلأ تغليباً.
وروعي هذا التغليب هنا لأنه غالب مرعى أنعام أهل الحجاز لقلة الكلأ في أرضهم ، فهم يرعون الشعاري والغابات.
وفي حديث"ضالة الإبل تَشرب الماء وتَرعى الشجر حتى يأتيا ربّها".
ومن الدقائق البلاغية الإتيان بحرف (في) الظرفية ، فالإسامة فيه تكون بالأكل منه والأكل مما تحته من العشب.
والإسامة: إطلاق الإبل للسّوْم وهو الرعي.
يقال: سامت الماشية فهي سائمة وأسامها ربّها.
{يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ}
جملة {ينبت} حال من ضمير {أنزل} [سورة النحل: 10] ، أي ينبت الله لكم.
وإنما لم يعطف هذا على جملة {لكم منه شراب} [سورة النحل: 10] لأنّه ليس مما يحصل بنزول الماء وحده بل لا بدّ معه من زرع وغرس.
وهذا الإنبات من دلائل عظيم القدرة الربّانية ، فالغرض منه الاستدلال ممزوجاً بالتذكير بالنّعمة ، كما دلّ عليه قوله: لكم على وزان ما تقدم في قوله تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء} [سورة النحل: 5] الآية ، وقوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} [سورة النحل: 8] الآية.
وأسند الإنبات إلى الله لأنه الملهم لأسبابه والخالق لأصوله تنبيهاً للناس على دفع غرورهم بقدرة أنفسهم ، ولذلك قال: إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون لكثرة ما تحت ذلك من الدقائق.
وذكر الزرع والزيتون وما معهما تقدم غير مرة في سورة الأنعام.
والتفكّر تقدم عند قوله تعالى: {قل هل يستوي الأعمى والبصيرأفلا تتفكرون} في سورة الأنعام (50) .