الوجه الثاني: أن يكون"ما"نفيًا، كأنهم قالوا: ما نبغي شيئًا هذه بضاعتنا. وقال الفراء وأبو بكر: كأنهم قالوا: لسنا نطلب منك دراهم وما نبغي منك بضاعة نرجع بها إليه، بل يكفينا بضاعتنا هذه التي ردّت إلينا، وهو قوله {هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا} والإشارة إلى البضاعة تحتمل معنيين أحدهما: أنهم لم يثقوا بمعرفة أبيهم لها، فعرفوها بإشارتهم إليها، والآخر: أن معنى الإشارة هاهنا التقريب للرد والتحقيق له، كقول القائل: هذه الشمس قد طلعت، فتقرب بهذه طلوع الشمس وتحققه،
ولا يعرف بها عين الشمس، فمن جعل (هذه) إشارة أجاز أن يكون رُدّتْ خبرًا مستأنفًا، ويمكن أن يكون حالاً من البضاعة بإضمار"قد"معه؛ لأن"قد"تقرب الماضي من الحال، والتقدير: هذه بضاعتنا مردودة إلينا. ومن جعل هذه للتقريب لا يجيز استئناف"ردت"؛ لأن خبر التقريب يُفتقر إليه، كما يُفتقر إلى خبر"إن"و"كان"، فلا يجوز الاقتصار على"هذه بضاعتنا"دون ذكر"ردت"في هذا الوجه، وفي الوجه الأول يجوز، قال المفسرون: إنهم أرادوا بهذا الكلام أن يطيبوا نفس أبيهم على الإذن لهم بالمعاودة وإرسال بنيامين معهم.
وقوله تعالى {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} عطف على قوله {مَا نَبْغِي} كأنهم قالوا: ما نبغي منك في هذا الوجه شيئًا تصرفنا به، ومع ذلك نمير أهلنا أي نجلب إليهم الطعام، قال الأصمعي: ماره يميره ميرًا، إذا أتاه بميرة أي بطعام. ومنه يقال:"ما عنده خير ولا مير".
وقوله تعالى: {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} أي نزيد حمل بعير من الطعام. قال الزجاج: لأنه كان يكال لكل رجل وقر بعير.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} قال الحسن: أي يأتي ذلك متيسرًا على من يكيل لنا.