وفي مفهوم هذا ما هو مرصد لإثابته المحسنين وعقوبته المجرمين في أحكام
الدنيا والآخرة جزاء، ليتم كلمته في قوله للقلم:"اكتب ما هو كائن إلى يوم"
القيامة"."
قوله - عز وجل - حاكيًا عن نبيه يعقوب - عليه السَّلام - لما راوده بنوه على أن يدفع إليهم أخاهم من أبيهم ليحملوه إلى يوسف: (قَالَ) لهم (هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ) وهنا محذوف مقدر معناه: فلم تحفظوه ولا رحمتموه (فَاللَّهُ
خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) .
وكانوا قد (قالوا) له من قبل: (يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ
لَنَاصِحُونَ (11) . فهذا القول والذي قبله مأخوذ من الأمانة لم يكن طلبهم
أن يصدقهم، بل كان طلبهم منه أن يأتمنهم عليه ولما آتوه، وقد فعلوا ما فعلوا في
شأن يوسف واعتذروا عنده بالكذب قالوا: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا) أي:
يؤتمن لنا على سواه بعد هذا ولو صدقاك فيه اليوم كما قال من جعلها عمدته
في الاحتجاج على أن الإيمان هو التصديق، وإن كان ذلك يتوجه على التصديق
فإن الأظهر فيه الأمن بما أحاط به من الدليل أنه من الأمن والأمانة، والإيمان هو
الدخول في الأمن ثوابًا لتصديق الله - جلَّ جلالُه - في إخباره عما أخبر به وتصديق الرسل
فيما بلغوه عن ربهم، وائتمانهم على ما أخبروا به، فتفهم ذلك.
(فصل)
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الظن يخطئ ويصيب".
وقال - صلى الله عليه وسلم -:"الظن كذب الحديث".
وقال الله - جلَّ جلالُه -: (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا(28) .
فأخبر أن الظن قد يصيب، وأن الظن كذب، والعرب قد تسمي ما هو
العلم بالشيء: ظنًّا، كما قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ)
وقال جل قوله في كذب الظن: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا)
يظنون و (يَخْرُصُونَ) .
ثم قد يصعد هذا إلى أن يخطئ [مرة] ويصيب أخرى، وهذا هو ظن الإنسان بما