هو إنسان، ثم قد يقوى في عموم المؤمنين باستصحابهم تقوى الله تعالى، فتكون
الإصابة في ظنهم أكثر من الخطأ، ذلك لأن عامة المؤمنين في مثل الغبش نور ليس
هو بعديم منه ولا هو بكامله، وأما الذين أتم الله نعمته عليه فإنهم على الأغلب
تلحق ظنونهم باليقين، وقد كان عمر - رضي الله عنه - من هؤلاء، وفي أثناء هذه الأمة من يعطى
هذا لذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"المؤمن ينظر بنور الله".
وقال:"احذروا فراسة المؤمن".
وقال الله جل من قائل: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ(75)
والتوسم نحو التفرس.
وكان يعقوب - عليه السلام - ظن أولاً في بنيه فأصاب في قوله:(بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ
أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)وأصاب في الثانية لما قالوا:(يَا أَبَانَا إِنَّ
ابْنَكَ سَرَقَ)إلى قوله: (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ(82) . فقال لهم - عليه السَّلام:
(بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) وهذه أخفى من تلك،
فإنه وإن كان العشرة والتسعة منهم لم يضمروا مكرًا فإن يوسف وأخاه بنيامين مكرَا
مكرًا، وذلك في قول الله - عز وجل: (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا
أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ
أَخِيهِ) المعنى إلى آخره، ومن تلك فإن العشرة البنين لم
يمكروا في هذه المرة، وإنما مكر بهم يوسف وأخوه الأصغر [بنيامين] ؛ فأجاب
بظنه الصواب لم يوقع خطأ. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 3/ 103 - 114} ...