واضمحلال الصفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات العناية، وفي يبرأ العبد من معاملاته وينجو من حبس وجوده وحجب أنانيته. ولما أخبر القلب بنور الله رآه الروح في عالم الملكوت وتأوله استحق قرب الروح وصحبته فاستدعى حضوره على لسان رسول النفس فرده إليه وقال سله {ما بال النسوة} لأن الأوصاف الإنسانية لما رأين جمال القلب المنور بنور الله {قطعن أيديهن} من ملاذ الدنيا وشهواتها وآثرن السعادة الأخروية على الشهوات الفانية {ليعلم أني لم أخنه بالغيب} أي القلب المنظور بنظر العناية لما غاب عن حضرة الروح لاشتغاله بتربية النفس والقالب ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ونعيمها {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} الذين يبيعون الدين بالدنيا. ثم قال إظهاراً للعجز عن نفسه وللفضل من ربه {وما أبرئ نفسي إن النفس} جبلت على الأمارية، ولكن إذا رحمها ربها يقلبها ويغيرها فإذا تنفس صبح الهداية صارت لوامة نادمة على فعلها، والندم توبة وإذا طلعت شمس العناية وصارت ملهمة {فألهمها فجورها وتقواها} [الشمس: 8] وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية أشرقت الأرض بنور ربها وصارت النفس مطمئنة مستعدة لجذبة {ارجعي إلى ربك راضية مرضية} [الفجر: 28] {إن ربي غفور} لنفس تابت ورجعت إليه {رحيم} لمن أحسن طاعته وعبادته والله حسبنا ونعم الوكيل. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 4 صـ 96 - 98}