ومن هذا نعلم شيئاً مما دار في حفل الاستقبال في بيت الوزير ؛ ما قالته النسوة ليوسف وما لَمّحن به وأشرن إليه ، من الإغراء الذي يبلغ درجة المراودة. ومن هذا نتخيل صورة لهذه الأوساط ونسائها حتى في ذلك العهد الموغل في التاريخ. فالجاهلية دائماً هي الجاهلية. إنه حيثما كان الترف ، وكانت القصور والحاشية ، كان التخلل والتميع والفجور الناعم الذي يرتدي ثياب الأرستقراطية!
وفي مثل هذه المواجهة بالاتهام في حضرة الملك ، يبدو أنه لم يكن هنالك مجال للإنكار:
{قلن: حاش لله! ما علمنا عليه من سوء} !
وهي الحقيقة التي يصعب إنكارها. ولومن مثل هؤلاء النسوة. فقد كان أمر يوسف إذن من النصاعة والوضوح بحيث لا يقوم فيه جدال.
وهنا تتقدم المرأة المحبة ليوسف ، التي يئست منه ، ولكنها لا تستطيع أن تخلص من تعلقها به.. تتقدم لتقول كل شيء في صراحة:
{قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق. أنا راودته عن نفسه. وإنه لمن الصادقين} ..
الآن حصحص الحق وظهر ظهوراً واضحاً لا يحتمل الخفاء:
{أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} ..
وزادت ما يكشف عن أن قلبها لم يخل من إيثاره ورجاء تقديره والتفاته بعد كل هذا الأمد ؛ وما يشي كذلك بأن عقيدة يوسف قد أخذت طريقها إلى قلبها فآمن:
{ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} ..
وهذا الاعتراف وما بعده يصوره السياق هنا بألفاظ موحية ، تشي بما وراءها من انفعالات ومشاعر. كما يشي الستار الرقيق بما وراءه في ترفع وتجمل في التعبير:
{أنا راودته عن نفسه ، وإنه لمن الصادقين} .
شهادة كاملة بنظافته وبراءته وصدقه. لا تبالي المرأة ما وراءها مما يلم بها هي ويلحق بأردانها.. فهل هو الحق وحده الذي يدفعها لهذا الإقرار الصريح في حضرة الملك والملأ؟