والآن لقد مرت بنا رؤى ثلاث: رؤيا يوسف ، ورؤيا صاحبي السجن ، ورؤيا الملك. وطلب تأويلها في كل مرة ، والاهتمام بها يعطينا صورة من جو العصر كله في مصر وخارج مصر كما أسلفنا وأن الهبة اللدنية التي وهبها يوسف كانت من روح العصر وجوه ، على ما نعهد في معجزات الأنبياء ، فهل كانت هذه هي معجزة يوسف؟ ولكن هذا بحث ليس مكانه هذه الظلال. فنكمل حديث رؤيا الملك الآن!
هنا تذكر أحد صاحبيه في السجن ، الذي نجا منهما وأنساه الشيطان ذكر ربه ، وذكر يوسف في دوامة القصر والحاشية والعصر والخمر والشراب.. هنا تذكر الرجل الذي أوّلَ له رؤياه ورؤيا صاحبه ، فتحقق التأويل:
{وقال الذي نجا منها وادكّر بعد أمة: أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون} !
أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون.. ويسدل الستار هنا ، ليرفع في السجن على يوسف وصاحبه هذا يستفتيه:
{يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ، لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون} ..
والساقي يلقب يوسف بالصدّيق ، أي الصادق الكثير الصدق. وهذا ما جربه في شأنه من قبل..
{أفتنا في سبع بقرات سمان...} ..
ونقل ألفاظ الملك التي قالها كاملة ، لأنه يطلب تأويلها ، فكان دقيقاً في نقلها ، وأثبتها السياق مرة أخرى ليبين هذه الدقة أولاً ، وليجيء تأويلها ملاصقاً في السياق لذكرها.
ولكن كلام يوسف هنا ليس هو التأويل المباشر المجرد ، إنما هو التأويل والنصح بمواجهة عواقبه. وهذا أكمل:
{قال: تزرعون سبع سنين دأباً} ..
أي: متوالية متتابعة. وهي السنوات السبع المخصبة المرموز لها بالبقرات السمان.
{فما حصدتم فذروه في سنبله} ..
أي فاتركوه في سنابله لأن هذا يحفظه من السوس والمؤثرات الجوية.
{إلا قليلاً مما تأكلون} ..
فجردوه من سنابله ، واحتفظوا بالبقية للسنوات الأخرى المجدبة المرموز لها بالبقرات العجاف.
{ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد} ..
لا زرع فيهن.