إن الطاغوت لا يقوم في الأرض إلا مدعياً أخص خصائص الألوهية ، وهو الربوبية. أي حق تعبيد الناس لأمره وشرعه ، ودينونتهم لفكره وقانونه. وهو إذ يزاول هذا في عالم الواقع يدعيه - ولو لم يقله بلسانه - فالعمل دليل أقوى من القول.
إن الطاغوت لا يقوم إلا في غيبة الدين القيم والعقيدة الخالصة عن قلوب الناس. فما يمكن أن يقوم وقد استقر في اعتقاد الناس فعلاً أن الحكم لله وحده ، لأن العبادة لا تكون إلا لله وحده ، والخضوع للحكم عبادة. بل هي مدلول العبادة.
وإلى هنا يبلغ يوسف أقصى الغاية من الدرس الذي ألقاه ، مرتبطاً في مطلعه بالأمر الذي يشغل بال صاحبيه في السجن. ومن ثم فهو يؤول لهما الرؤيا في نهاية الدرس ، ليزيدهما ثقة في قوله كله وتعلقاً به:
{يا صاحبي السجن ، أما أحدكما فيسقي ربه خمراً ، وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} ..
ولم يعين من هو صاحب البشرى ومن هو صاحب المصير السيئ تلطفاً وتحرجاً من المواجهة بالشر والسوء. ولكنه أكد لهما الأمر واثقاً من العلم الذي وهبه الله له:
{قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} ..
وانتهى فهو كائن كما قضاه الله.
وأحب يوسف السجين البريء ، الذي أمر الملك بسجنه دون تحر ودون بحث ، إلا ما نقله إليه بعض حاشية من وشاية لعلهم صوروا له فيها حادث امرأة العزيز وحادث النسوة تصويراً مقلوباً ، كما يقع عادة في مثل هذه الأوساط.. أحب يوسف أن يبلغ أمره إلى الملك ليفحص عن الأمر:
{وقال للذي ظن أنه ناج منهما: اذكرني عند ربك} ..
اذكر حالي ووضعي وحقيقتي عند سيدك وحاكمك الذي تدين وتخضع لحكمه ، فهو بهذا ربك. فالرب هو السيد والحاكم والقاهر والمشرع.. وفي هذا توكيد لمعنى الربوبية في المصطلح الإسلامي. ومما يلاحظ أن ملوك الرعاة لم يكونوا يدعون الربوبية قولاً كالفراعنة ، ولم يكونوا ينتسبون إلى الإله أو الآلهة كالفراعنة. ولم يكن لهم من مظاهر الربوبية إلا الحاكمية وهي نص في معنى الربوبية..