وربما يقرر مدلول الآيتين برهانين على التوحيد بوجه آخر ملخصه ان الله الواحد الذي يقهر بقدرته الأسباب المتفرقة التي تفعل في الكون ويسوقها على تلائم آثارها المتفرقة المتنوعة بعضها مع بعض حتى ينتظم منها نظام واحد غير متناقض الاطراف كما هو المشهود من وحدة النظام وتوافق الأسباب خير من أرباب متفرقين تترشح منها لتفرقها ومضادتها انظمة مختلفة وتدابير متضادة تؤدى إلى انفصام وحدة النظام الكونى وفساد التدبير الواحد العمومي.
ثم الالهة المعبودة من دون الله أسماء لا دليل على وجود مسمياتها في الخارج بتسميتكم لا من جانب العقل ولا من جانب النقل لأن العقل لا يدل إلا على التوحيد والأنبياء لم يؤمروا من جهة الوحي الا بان لا يعبد إلا الله وحده انتهى.
وهذا التقرير كما ترى ينزل الآية الأولى على معنى قوله تعالى:"لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"الأنبياء: 22 ويعمم الآية الثانية على نفى ألوهية آلهة إلا الله بذاتها ونفى الوهيتها من جهة اذن الله في شفاعتها.
ويرد عليه أولا ان فيه تقييدا لإطلاق قوله القهار من غير مقيد فان الله سبحانه كما يقهر الأسباب في تأثيرها يقهر كل شيء في ذاته وصفته وآثاره فلا ثاني له في وجوده ولا ثاني له في استقلاله في نفسه وفي تأثيره فلا يتأتى مع وحدته القاهرة على الإطلاق ان يفرض شيء يستقل عنه في وجوده ولا أمر يستقل عنه في أمره والاله الذي يفرض دونه اما مستقل عنه في ذاته وآثار ذاته جميعا وأما مستقل عنه في آثار ذاته فحسب وكلا الامرين محال كما ظهر.
وثانيا ان فيه تعميما لخصوص الآية الثانية من غير معمم فان الآية كما عرفت تنيط كونها آلهة باذن الله وحكمه كما هو ظاهر قوله"ما انزل الله بها من سلطان ان الحكم الا لله"الخ ومن الواضح ان هذه الألوهية المنوطة باذنه تعالى وحكمه ألوهية شفاعة لا ألوهية ذاتية أي ألوهية بالغير لا ما هو اعم من الألوهية بالذات وبالغير جميعا.