ثم بين لهم أنَّ عبَادَته وحده دون غيره هي دين الله الذي لا دين غيره، فقال: {ذَلِكَ} ؛ أي: تخصيصه بالعبادة {الدِّينُ الْقَيِّمُ} ؛ أي: المستقيم الثابت؛ أي: إنَّ تَخْصِيصَه بالعبادة هو الدينُ الحق، الذي لا عِوَج فيه، والذي دعا إليه جميع الرسل، ودلَّتْ عليه براهينُ العقل والنقل. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} أنَّ ذلك هو الدين الحق المستقيم، الذي لا اعْوِجَاجَ فيه، لا ما سَارُوا عليه تبعًا لآبائهم الوثنيين من الاعتقاد، بأرباب متفرقين لجهلهم بتلك البراهين.
41 -ولما فرغ يوسف عليه السلام من بيان الحق لهما في مسألة التوحيد، وعبادة الله تعالى وحدَه، شرع في تعبير رؤياهما فقال: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ} الإضافة فيه بمعنى في؛ أي: يا صاحبين لي في السجن {أَمَّا أَحَدُكُمَا} وهو الساقي الذي رأى أنه يعصِرُ خَمْرًا، ولم يعينه ثقةً بدلالة الحال، ورعايةً لِحُسْن الصحبة، أو لكراهةِ التصريح للخبَّاز بأنه الذي سَيُصلب {فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} ؛ أي: فيسقي سيده، ومالكَ رقبته خَمْرًا. وقد رُويَ أنَّ يُوسُفَ قال له في تعبير رؤياه: ما أحْسنَ ما رأيتَ؟ أمَّا الكرمة فهي الملك، وحسنها حسن حالك عنده برجوعك إلى منزلتك الأولى، بل إلى أحسنَ منها، وأما الأغصان الثلاثة: فثلاثة أيام، تَمْضي في السجن، ثم تخرج، وتعود إلى عملك. وقرأ الجمهور: {فَيَسْقِي رَبَّهُ} من سقَى، وفرقة: {فيسقي} من أسقى، وهما لغتان بمعنى واحد. وقال ابن عطية: وقرأ عكرمة والجحدري: {فيُسْقَى ربه خمرًا} بضم الياء، وفتح القاف؛ أي: ما يرويه، ذكره أبو حيان. {وَأَمَّا الْآخَرُ} وهو الخبَّاز الذي رَأَى أنه يحمل خبزًا تأكل الطير منه {فَيُصْلَبُ} ؛ أي: فيقتل صَلْبًا {فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ} الكواسر، كالحدأة، والرخمة، ونحوهما {مِنْ رَأْسِهِ} رُوي أنه عليه السلام قال له: بئس ما رأيتَ؟ أمَّا خروجك من المطبخ، فخُروجُك من عملك، وأما السلال الثلاث فَثلاثَةَ أيامٍ تمُرُّ ثم يُوجه الملك إليكَ عند انقضائهن، فيصلبك فتأكل الطير من رأسك. وفي"الكواشي": أكْلُ الطير من أعلاها إخراجه في اليوم الثالث، انتهى.