وقيل المعنى: ما تعبدون من دون الله تعالى إلا مسميات أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم آلهةً من عند أنفسكم، وليس لها من الإلهية شيء إلا مجردَ الأسماء لكونها جمادات لا تَسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر. {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا} ؛ أي: بتلك التسمية {مِنْ سُلْطَانٍ} ؛ أي: من حُجَّةٍ تدل على صحتها، وإنما قال: (ما تعبدون) على خطاب الجَمع، وكذلك ما بعده من الضمائر؛ لأنه قَصَدَ خطاب صاحبي السجن، ومَنْ كان على دينهم. ومفعول سَمَّيتموها، الثاني محذوف كما قدرناه آنِفًا؛ أي: آلهةً من عند أنفسكم. {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} ؛ أي: ما الحكم الحق في الربوبية، والعبادة إلا لله سبحانه وتعالى وحده، يوحيه لِمَن اصطفاه من رسله، ولا يمكن بشرًا أن يَحْكُم فيه بهواه، ورأيه، ولا بعَقْله، واستدلاله ولا باجتهاده واستحسانه. وهذه قاعدة اتفقت عليها كلُّ الأديان دونَ اختلاف الأمكنة والأزمان.
ثمَّ بيَّنَ ما حَكَمَ به الله تعالى فقال: {أَمَرَ} سبحانه وتعالى على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام بـ {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} سبحانه وتعالى؛ أي: أمَرَ ألَّا تعبدوا غَيْرَه، ولا تَدْعُوا سِوَاه، فله وحده اركعوا، واسجدوا، وإليه وحده توَجَّهوا حنفاءَ غير مشركين به شيئًا من مَلَك من الملائكة ولا ملك من الملوك الحاكمين، ولا شمس، ولا قمر، ولا نجم، ولا شجر، ولا حيوان كالعِجْل (أبِيسُ) لدى المصريين؛ لأنَّ العبادَة نهاية التعظيم، فلا تليق إلا بمَنْ حَصَلَ منه نهاية الإنعام، وهو الله تعالى؛ لأنَّ منه الخلق والإحياء، والرزق والهداية، ونعم الله كثيرة، وجهاتُ إحسانه إلى الخلق غير متناهية، فالمؤمن الصادق الإيمان, لا يذِلُّ ولا يَخْضَعُ لأحد غير الله تعالى مما خلق بدعاء ولا استغاثة، ولا طلب فرج من ضيق، لإيمانه بأنه هو الرب المدبر لكل شيء ، وأن كلَّ ما سواه فهو خاضع لسلطانه، ولا يملك لنفسه، ولا لغيره غير ما أعطَاه من القوى، فإليه وحده المَلْجَأُ في كل ما يعجز عنه الإنسانُ، أو يجهله من الأسباب، وإليه المصير في الجزاء على الأعمال يومَ يقوم الحساب والمعنى أنه أمركم بتخصيصه بالعبادة دُونَ غيره مما تزعمون أنه معبودٌ.