افْتَرَضَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثِقَةَ هَذَيْنِ السَّائِلَيْنِ بِعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ ، وَإِصْغَاءِهِمَا لِقَوْلِهِ وَاهْتِمَامِهِمَا بِمَا يَسْمَعَانِ مِنْ تَأْوِيلِهِ لِرُؤَاهُمَا ، فَبَدَأَ حَدِيثَهُ بِمَا هُوَ أَهَمُّ عِنْدَهُ وَهُوَ دَعْوَتُهُمَا وَسَائِرِ مَنْ فِي السِّجْنِ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ وَحْيَ الرِّسَالَةِ جَاءَهُ بَعْدَ دُخُولِ السِّجْنِ فَحَقَّقَ قَوْلَهُ: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) 33 كَمَا أَنَّ وَحْيَ الْإِلْهَامِ جَاءَهُ عِنْدَ إِلْقَائِهِ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ عَلَى مَا سَبَقَ ، وَحِكْمَةُ هَذَا مِنْ نَاحِيَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ظَاهِرَةٌ بِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - جَعَلَ لَهُ فِي كُلِّ مِحْنَةٍ ظَاهِرَةٍ ، مِنْحَةً بَاطِنَةً ، وَفِي كُلِّ بِدَايَةٍ مُحْرِقَةٍ ، نِهَايَةً مُشْرِقَةً ، تَحْقِيقًا لِمَا فَهِمَهُ أَبُوهُ مِنِ اجْتِبَاءِ رَبِّهِ لَهُ إِلَخْ . وَحِكْمَتُهُ مِنْ نَاحِيَةِ دَعْوَةِ الدِّينِ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ وَأَقْرَبَهُمُ اسْتِعْدَادًا لِفَهْمِهَا وَالِاهْتِدَاءِ بِهَا هُمُ: الضُّعَفَاءُ وَالْمَظْلُومُونَ وَالْفُقَرَاءُ . وَأَعْتَاهُمْ وَأَبْعَدُهُمْ عَنْ قَبُولِهَا هُمُ: الْمُتْرَفُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ ، بَدَأَ يُوسُفُ بِالدَّعْوَةِ بَعْدَ مُقَدِّمَةٍ فِي بَيَانِ الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ وَالثِّقَةِ بِقَوْلِهِ ، وَهِيَ إِظْهَارُ مَا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ تَعْلِيمِهِ مَا شَاءَ مِنْ أُمُورِ الْغَيْبِ ، وَأَقْرَبِهَا إِلَى اقْتِنَاعِهِمْ مَا يَخْتَصُّ بِمَعِيشَتِهِمْ ، فَكَانَ هَذَا مَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ وَتُوجِبُهُ الرِّسَالَةُ مِنْ جَوَابِهِمْ ، وَهُوَ: