والحنيف: المخلص، ليس على ما تزعمون أنتم؛ ولهذا قال: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) .
وفي قوله: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) دلالة أن الكفر كله ملة واحدة؛ حيث أخبر أنه ترك ملة قوم لا يؤمنون على اخثلاف مذاهبهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ) .
أي: ذلك الدِّين والملة التي أنا عليها وآبائي من فضل اللَّه علينا وعلى الناس؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - فطر الناس على فطرة؛ يعرفون وحدانية اللَّه وربوبيته بعقول ركبت فيهم؛ ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل اللَّه وما ركب فيهم من العقول، أو ذلك الدِّين والهداية الذي أعطاهم من فضل اللَّه؛ لكن أكثر الناس يتركون ذلك الدِّين وتلك الهداية، واللَّه أعلم.
وقول اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(39)
يوسف - لما سئل عن تأويل الرؤيا - دعاهم إلى توحيد اللَّه ودلهم عليه؛ فقال: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) ، وقال: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) ، أي: عبادة رب واحد وإرضاؤه خير أم عبادة عدد وإرضاء نفر؟ لأنه إذا عبد بعضًا واجتهد في إرضائهم أسخط الباقين؛ فلا سبيل إلى الوصول إلى مقصوده والظفر بحاجته؛ إذ لا يقدر على إرضائهم جميعًا، وإن اجتهد، وأما الواحد: فإنه يقدر على إرضائه؛ إذ لا يزال يكون في عبادته وإرضائه؛ فيصل إلى حاجته والظفر بمقصوده.
والثاني: يخبر أن الواحد القهار يقهر غيره من الأرباب ومن تعبدون؛ فعبادة الواحد القهار خير من عبادة عدد مقهورين.