عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ:" {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} قَالَ: فَكَرِهَ الْعِبَارَةَ لَهُمَا، وَأَخْبَرَهُمَا بِشَيْءٍ لَمْ يَسْأَلَاهْ عَنْهُ لِيُرِيَهُمَا أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا."
وَكَانَ الْمَلِكُ إِذَا أَرَادَ قَتْلَ إِنْسَانٍ، صَنَعَ لَهُ طَعَامًا مَعْلُومًا، فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَيْهِ، فَـ {قَالَ} يُوسُفُ: {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} . . إِلَى قَوْلِهِ: {يَشْكُرُونَ} فَلَمْ يَدَعَاهُ، فَعَدَلَ بِهِمَا، وَكَرِهَ الْعِبَارَةَ لَهُمَا، فَلَمْ يَدَعَاهُ حَتَّى يَعْبُرَ لَهُمَا، فَعَدَلَ بِهِمَا وَقَالَ: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [يوسُف: 39] . إِلَى قَوْلِهِ: {يَعْلَمُونَ} [يوسُف: 40] فَلَمْ يَدَعَاهُ حَتَّى عَبَرَ لَهُمَا، فَقَالَ: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ} قَالَا: مَا رَأَيْنَا شَيْئًا، إِنَّمَا كُنَّا نَلْعَبُ قَالَ: {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسُف: 41] ""
وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقَوْلُهُ: {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} فِي الْيَقَظَةِ لَا فِي النَّوْمِ.
وَإِنَّمَا أَعْلَمَهُمَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ الطَّعَامِ الَّذِي يَأْتِيهُمَا مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ وَمِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ النَّوْعَ الَّذِي إِذَا أَتَاهُمَا كَانَ عَلَامَةً لَقَتْلِ مَنْ أَتَاهُ ذَلِكَ مِنْهُمَا، وَالنَّوْعَ الَّذِي إِذَا أَتَاهُ كَانَ عَلَامَةً لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) }
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} وَاتَّبَعْتُ دِينَهُمْ لَا دِينَ أَهْلِ الشِّرْكِ.
{مَا كَانَ لَنَا أَنَّ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ}