وقال بعضهم: إنه لما قال: إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر قيل له: كيف رأيت؟ قال: رأيتهم لي ساجدين. وقال آخرون: يجوز أن يكون أحدهما من الرؤية والآخر من الرؤيا ، وهذا القائل لم يبين أنّ أيهما يحمل على الرؤية وأيهما يحمل على الرؤيا؟ قال الرازي: فذكر قولاً مجملاً غير مبين. فإن قيل: قوله: رأيتهم وقوله: ساجدين لا يليق إلا بالعقلاء والكواكب جمادات فكيف جاءت اللفظة المخصوصة بالعقلاء في حق الجمادات ؟
أجيب: بأنها لما وصفت بالسجود صارت كأنها تعقل وأخبر عنها كما أخبر عمن يعقل كما قال تعالى في صفة الأصنام: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} (الأعراف ،) وكما في قوله تعالى: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} (النمل ،) . فإن قيل: لم أفرد الشمس والقمر بالذكر مع أنهما من جملة الكواكب ؟
أجيب: بأنه أفردهما لفضلهما وشرفهما على سائر الكواكب كقوله تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (البقرة ،) وهل المراد بالسجود نفس السجود حقيقة أو التواضع؟ كلاهما محتمل ، والأصل في الكلام حمله على الحقيقة قال أهل التفسير: إن يعقوب عليه السلام كان شديد الحب ليوسف عليه السلام فحسده إخوته لهذا السبب ، وظهر وذلك ليعقوب فلما رأى يوسف هذه الرؤيا ، وكان تأويلها أن أبويه وإخوته يخضعون له ، وخاف عليه حسدهم وبغيهم.
{قال} له أبوه {يا بنيّ} بصيغة التصغير للشفقة أو لصغر سنه على ما تقدّم ، وقرأ حفص في الوصل بفتح الياء ، والباقون بالكسر والتشديد للجميع {لا تقصص رؤياك على إخوتك} ، أي: لا تخبرهم برؤياك فإنهم يعرفون تأويلها {فيكيدوا لك كيدا} ، أي: فيحتالوا في هلاكك. فإن قيل: لم لم يقل فيكيدوك كما قال فكيدوني ؟
أجيب: بأنّ هذه اللام تأكيد للصلة كقوله: {للرؤيا تعبرون} (يوسف ،) وكقوله: نصحتك ونصحت لك ، وشكوتك وشكوت لك.I