فالأمر للتهديد، وعبر اللَّه تعالى عن المشركين بقوله تعالى: (لِّلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) بفعل المضارع، أي ليس عن طبيعتهم، وكيانهم أن يؤمنوا، فالكافر الجاحد تنحل عقدة الإيمان في قلبه، فلا ينعقد قلبه على إيمان، بل هو جاحد مضطرب الفكر والنفس والقلب تأسره الأهواء المتنازعة، ويسير مع أشدها انحرافا، وأقواها استهواء (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ) ، أي على حالكم التي أنتم عليها من الغي والضلال، والاستكثار من الأموال، والأهواء والشهوات، وكل ما تمكنون منه من أهواء وشهوات ومفاسد، وبيَّن أن المؤمنين والنبي عاملون فقال: (إِنَّا عَاملُونَ) أي مستمرون في حالنا من إيمان، وإذعان للحق، وصبر على آذاكم والعاقبة ليست واحدة، فأنتم إلى طريق النار، وغضب اللَّه، ونحن إلى طريق رضا اللَّه، ولكم عبرة ممن مضوا، وقد علمتم قصصهم، ثم أكد - سبحانه وتعالى - التهديد، والبشرى للمؤمنين، فقال:
(وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ(122)
أي انتظروا بقية أعمالكم، وعواقب فسادكم وجحودكم، وما استهواكم من مفاسد، و (إِنَّا مُنتَظِرُونَ) ما نرجو من رحمته ورضوانه، وجزاء وفاقا لأعمالنا.
وهذه مقابلة بين الحق والباطل، وسوءى الباطل، وحسنى العاقبة في الحق واللَّه بكل شيء عليم.
(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123) . انتهى انتهى {زهرة التفاسير} ...