(النَّوْعُ الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ - تَعَالَى -: - وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا - 6 يُشِيرُ إِلَى سُنَنٍ كَثِيرَةٍ ، فَإِنَّ الرِّزْقَ الْمُضَافَ إِلَى ضَمِيرِ هَذِهِ الدَّوَابِّ الْكَثِيرَةِ عَامٌّ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنْهَا ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالْآيَاتِ الْمُنَزَّلَةِ وَالْآيَاتِ الْمُشَاهَدَةِ أَنَّ رِزْقَ اللهِ - تَعَالَى - لِجَمِيعِ الْأَحْيَاءِ هُوَ مَا خَلَقَهُ مِنَ الْأَقْوَاتِ لِكُلِّ جِنْسٍ وَنَوْعٍ مِنْهَا ، وَهَدَاهُ إِلَى التَّغَذِّي بِهِ لِحِفْظِ حَيَاتِهِ وَنَمَائِهِ وَبَقَائِهِ إِلَى الْأَجَلِ الْمُقَدَّرِ لَهُ ، وَيَجْرِي ذَلِكَ بِسُنَنٍ كَثِيرَةٍ وَضَعَ الْبَشَرُ لِتَفْصِيلِهَا عُلُومًا كَثِيرَةً فِي النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَوَظَائِفِ أَعْضَاءِ التَّغَذِّي وَالْهَضْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
(سُنَنُهُ فِي مُسْتَقَرِّ الْأَحْيَاءِ وَمُسْتَوْدَعِهَا) :
(الثَّانِي) قَوْلُهُ: - وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا - 6 يَشْمَلُ سُنَنًا أُخْرَى كَثِيرَةً ، فَقَدْ بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِ الْمُسْتَقَرِّ وَالْمُسْتَوْدَعِ أَنَّ فِيهِمَا أَقْوَالًا يَحْتَمِلُهَا اللَّفْظُ ، وَنَقُولُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ فِي جَوَازِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَعْنًى يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ مُرَادًا مِنْهُ: أَنَّ تَعَدُّدَ أَنْوَاعِ الِاسْتِقْرَارِ وَالِاسْتِيدَاعِ وَأَمَاكِنِهَا وَأَزْمَانِهَا لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الدَّوَابِّ فِي الْحَمْلِ بِهِ وَحَضَانَتِهِ وَوِلَادَتِهِ وَحَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ وَوَطَنِهِ وَتَنَقُّلِهِ ، يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ سُنَنٌ فِي مُنْتَهَى الْحِكْمَةِ وَالنِّظَامِ ، وَلَكَ أَنْ تُجْمِلَهَا فِي نَوْعٍ وَاحِدٍ ، وَأَنْ تُفَصِّلَهَا فَتَجْعَلَهَا عِدَّةَ أَنْوَاعٍ .