بَيَّنَتْ لَنَا هَذِهِ السُّورَةُ أَنَّ كُلَّ رَسُولٍ كَانَ يَحْتَجُّ وَيَسْتَدِلُّ عَلَى قَوْمِهِ بِأَنَّهُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ، وَلَيْسَ فِيهَا وَلَا فِي غَيْرِهَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ تَحَدَّى قَوْمَهُ بِآيَةٍ كَوْنِيَّةٍ كَمَا تَحَدَّى مُوسَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ ، وَكَمَا تَحَدَّى مُحَمَّدٌ قَوْمَهُ ، وَالْإِنْسَ وَالْجِنَّ مَعَهُمْ ، وَمَنِ اسْتَطَاعُوا لِيُظَاهِرُوهُمْ عَلَى مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ بِمِثْلِهِ فِي مَزَايَا إِعْجَازِهِ الْعَامَّةِ الظَّاهِرَةِ فِي كُلِّ سُورَةٍ مِنْهُ ، وَمَزَايَا إِعْجَازِهِ الْمُكَرَّرَةِ فِي عَشْرِ سُوَرٍ مِمَّا ادَّعَوُا افْتِرَاءَهُ مِنْهُ ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ التَّحَدِّي بِعَشْرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ فِي الْآيَةِ (13) مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ ، وَبَعْدَ تَقْرِيرِ عَجْزِهِمْ عَنِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْآيَةِ (14) قَالَ فِي تَقْرِيرِ الْحُجَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ: - أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً 17 .
ثُمَّ قَالَ فِي حُجَّةِ نُوحٍ: - قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ - 28 الْآيَةَ ، وَحَكَى عَنْ قَوْمِ هُودٍ أَنَّهُمْ - قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ - 53 لَكِنَّهُ كَذَّبَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: - وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ - 59 الْآيَةَ .