قال الزمشخري:"معناه: ولكن قليلاً ممَّن أَنْجَيْنا مِن القرون نُهوا عن الفساد ، وسائرُهم تاركوا النهي". ثم قال ."فإن قُلْتَ: هل لوقوع هذا الاستثناء متصلاً وجهٌ يُحْمَلُ عليه؟ قلت: إن جَعَلْتَه متصلاً على ما عليه ظاهرُ الكلام كان المعنى فاسداً ؛ لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم ، كما تقول: هلا قرأ قومُك القرآن إلا الصلحاءَ منهم ، تريد استثناء الصلحاء من المُحَضَّضين على قراءة القرآن". قلت: لأن الكلام يَؤُول إلى أنَّ الناجين لم يُحَضُّوا على النهي عن الفساد ، وهو معنىً فاسدٌ .
والثاني: أن يكونَ متصلاً ، وذلك بأن يُؤَوَّل التحضيضُ بمعنى النفي فيصحَّ ذلك ، إلا أنه يؤدِّي إلى النصب في غير الموجَب ، وإن كان غيرُ النصب أولى . قال الزمخشري:"فإن قلت: في تحضيضهم على النهي عن الفسادِ معنى نَفْيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرونِ أولو بقيةٍ إلا قليلاً كان استثناءٌ متصلاً ومعنى صحيحاً ، وكان انتصابُه على أصلِ الاستثناء ، وإن كان الأفصحُ أن يُرْفعَ على البدل"قلت: ويؤيد أن التحضيض هنا في معنى النفي قراءةُ زيد بن علي"إلا قليلٌ"بالرفع ، لاحظ معنى النفي فأبدل على الأفصح ، كقولِه: {مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} [النساء: 66] . وقال الفراء:"المعنى: فلم يكن ، لأن في الاستفهام ضرباً من الجَحْد"سَمَّى التحضيض استفهاماً . ونُقِل عن الأخفش أنه كان يرى تعيُّنَ اتصال هذا الاستثناء ، كأنه لَحَظَ النفيَ .