أي: أنه مُنزَّه عن أن يهلكهم بمجاوزة حَدٍّ ، لكن له أن يهلكهم بعدل ؛ لأن العدل ميزان ، فإن كان الوزن ناقصاً كان الخسران ، ومن العدل العقاب ، وإن كان الوزن مستوفياً كان الثواب .
وفي مجالنا البشرى ؛ لحظة أن نأخذ الظالم بالعقوبة ؛ فنحن نتبعه فعلاً ؛ لكننا نريح كل المظلومين ؛ وهذه هي العدالة فعلاً .
ومن خطأ التقنينات الوضعية البشرية هو ذلك التراخي في إنفاذ الحقوق في التقاضي ؛ فقد تحدث الجريمة اليوم ؛ ولا يصدر الحكم بعقاب المجرم إلا بعد عشر سنوات ، واتساع المسافة بين ارتكاب الجريمة وبين توقيع العقوبة ؛ إنما هو واحد من أخطاء التقنينات الوضعية ؛ ففي هذا تراخٍ في إنفاذ حقوق التقاضي ؛ لأن اتساع المسافة بين ارتكاب الجريمة وبين توقيع العقوبة ؛ إنما يضعف الإحساس ببشاعة الجريمة .
ولذلك حرص المشرع الإسلامي على ألا تطول المسافة الزمنية بين وقوع الجريمة وبين إنزال العقوبة ، فعقاب المجرم في حُمُوَّة وجود الأثر النفسي عند المجتمع ؛ يجعل المجتمع راضياً بعقاب المجرم ، ويذكِّر الجميع ببشاعة ما ارتكب ؛ ويوازن بين الجريمة وبين عقوبتها .
ويقول الحق سبحانه هنا:
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117] .
وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه:
{لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 131] .
إذن: لا بد من إزاحة الغفلة أولاً ، وقد أزاح الله سبحانه الغفلة عنا بإرسال الرسل وبالبيان وبالنذر ؛ حتى لا تكون هناك عقوبة إلا على جريمة سبق التشريع لها .
وهكذا أعطانا الله سبحانه وتعالى البيان اللازم لإدارة الحياة ، ثم جاء من بعد ذلك الأمر بضرورة الإصلاح:
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117] .