وفي الآية عبرة وموعظة للعصاة من المسلمين لأنّهم لا يخلون من ظلم أنفسهم.
واتباعُ ما أترفوا فيه هو الانقطاع له والإقبال عليه إقبال المتّبِع على متبوعه.
وأترفوا: أعطوا التّرف ، وهو السعة والنعيم الذي سهّله الله لهم فالله هو الذي أترفهم فلم يشكروه.
و {كانوا مجرمين} أي في اتّباع الترف فلم يكونوا شاكرين ، وذلك يحقّق معنى الاتّباع لأنّ الأخذ بالترف مع الشكر لا يطلق عليه أنه اتّباع بل هو تمحّض وانقطاع دون شوبه بغيره.
وفي الكلام إيجاز حذف آخر ، والتقدير: فحقّ عليهم هلاك المجرمين ، وبذلك تهيّأ المقام لقوله بعده: {وما كان ربك ليهلك الْقُرى بظلم} [هود: 117] .
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) }
عطف على جملة {واتّبع الذين ظلموا ما أتفرفوا فيه} [هود: 116] لما يؤذنه به مضمون الجملة المعطوف عليها من تعرّض المجرمين لحلول العقاب بهم بناء على وصفهم بالظلم والإجرام ، فعقب ذلك بأن نزول العذاب ممّن نزل به منهم لم يكن ظلماً من الله تعالى ولكنهم جرّوا لأنفسهم الهلاك بما أفسدوا في الأرض والله لا يحبّ الفساد.
وصيغة {وما كان ربك ليهلك} تدل على قوة انتفاء الفعل ، كما تقدّم عند قوله تعالى: {ما كان لبشرٍ أن يؤتيه الله الكتاب} الآية في [آل عمران: 79] ، وقوله: {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقّ} في آخر [العقود: 116] فارجع إلى ذينك الموضعين.
والمراد بالقرى أهلها ، على طريقة المجاز المرسل كقوله: {واسأل القرية} [يوسف: 82] .
والباء في {بظلم} للملابسة ، وهي في محل الحال من {ربّك} أي لمّا يهلك النّاس إهلاكاً متلبساً بظلم.
وجملة {وأهلها مصلحون} حال من {القرى} أي لا يقع إهلاك الله ظالماً لقوم مصلحين.