و {إلاّ قليلاً} استثناء منقطع من {أولُوا بقيّة} وهو يستتبع الاستثناء من القرون إذ القرون الذين فيهم {أولوا بقيّة} ليسوا داخلين في حكم القرون المذكورة من قبل ، وهو في معنى الاستدراك لأنّ معنى التحْضيض متوجّه إلى القرون الذين لم يكن فيهم أولو بقية فهم الذين يُنعى عليهم فقدان ذلك الصنف منهم.
وهؤلاء القرون ليس منهم من يستثنى إذ كلهم غير ناجين من عواقب الفساد ، ولكن لمّا كان معنى التحضيض قد يوهم أنّ جميع القرون التي كانت قبل المسلمين قد عدموا أولي بقية مع أن بعض القرون فيهم أولو بقيّة كان الموقع للاستدراك لرفع هذا الإيهام ، فصار المستثنى غيرَ داخل في المذكور من قبل ، فلذلك كان منقطعاً ، وعلامة انقطاعه انتصابه لأنّ نصب المستثنى بعد النفي إذا كان المستثنى منه غير منصوب أمارة على اعتبار الانقطاع إذ هو الأفصح.
وهل يجيء أفصح كلام إلاّ على أفصح إعْراب ، ولو كان معتبراً اتّصاله لجاء مرفوعاً على البدلية من المذكور قبله.
و (مِن) في قوله: {ممن أنجينا} بيانيّة ، بيان للقليل لأنّ الذين أنجاهم الله من القرون هم القليل الذين ينهون عن الفساد ، وهم أتباع الرسل.
وفي البيان إشارة إلى أنّ نهيهم عن الفساد هو سبب إنجاء تلك القرون لأنّ النهي سبب السبب إذ النهي يسبّب الإقلاع عن المعاصي الذي هو سبب النجاة.
ودلّ قوله: {ممّن أنجينا منهم} على أن في الكلام إيجازَ حذففٍ تقديره: فكانوا يتوبون ويقلعون عن الفساد في الأرض فينجون من مسّ النار الذي لا دافع له عنهم.
وجملة {واتّبع الذين ظلموا} معطوفة على ما أفاده الاستثناء من وجود قليل ينهون عن الفساد ، فهو تصريح بمفهوم الاستثناء وتبيين لإجماله.
والمعنى: وأكثرهم لم ينهوا عن الفساد ولم ينتهوا هم ولا قومهم واتّبعوا ما أترفوا فيه كقوله تعالى: {فسجدوا إلاّ إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} [البقرة: 34] تفصيلاً لمفهوم الاستثناء.