وتحضيض الفائت لا يقصد منه إلاّ تحذير غيره من أن يقع فيما وقعوا فيه والعبرة بما أصابهم.
والقرون: الأمم.
وتَقَدّم في أوّل الأنعام.
والبقية: الفضل والخير.
وأطلق على الفضل البقية كناية غلبت فسارت مسرى الأمثال لأنّ شأن الشيء النفيس أنّ صاحبه لا يفرط فيه.
وبقيّة الناس: سادتهم وأهل الفضل منهم ، قال رويشد بن كثير الطائي:
إنْ تذنبوا ثم تأتيني بقيّتكم...
فَمَا عليّ بذنب منكم فوت
ومن أمثالهم"في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا".
فمن هنالك أطلقت على الفضل والخير في صفات الناس فيقال: في فلان بقية ، والمعنى هنا: أولُو فضل ودين وعلم بالشريعة ، فليس المراد الرّسل ولكن أريد أتباع الرسل وحملة الشرائع ينهون قومهم عن الفساد في الأرض.
والفساد: المعاصي واختلاف الأحوال ، فنهيهم يردعهم عن الاستهتار في المعاصي فتصلح أحوالهم فلا يحق عليهم الوهن والانحلال كما حلّ ببني إسرائيل حين عدموا من ينهاهم.
وفي هذا تنويه بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإنّهم أولُو بقيّة من قريش يدعونهم إلى الإيمان حتى آمن كلّهم ، وأولُو بقية بين غيرهم من الأمم الذين اختلطوا بهم يدعونهم إلى الإيمان والاستقامة بعد الدخول فيه ويعلّمون الدين ، كما قال تعالى فيهم:
{كنتم خيرَ أمّةٍ أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110] .
وفي قوله: {من القرون من قبلكم} إشارة إلى البشارة بأنّ المسلمين لا يكونون كذلك ممّا يومئ إليه قوله تعالى: {مِن قبلكم} .
وقرأ ابن جمّاز عن أبي جعفر"بِقْية"بكسر الباء الموحّدة وسكون القاف وتخفيف التّحتية فهي لغة ولم يذكرها أصحاب كتب اللغة ولعلّها أجريت مجرى الهيئة لما فيها من تخيّل السمت والوقار.