وقرأ عكرمة بن خالد"خلفوا"بالتخفيف: أي أقاموا بعد نهوض رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى الغزو.
وقرأ جعفر بن محمد"خالفوا"وهؤلاء الثلاثة هم: كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، أو ابن ربيعة العامري ، وهلال ابن أمية الواقفي ، وكلهم من الأنصار ، لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم توبتهم ، حتى نزل القرآن بأن الله قد تاب عليهم ؛ وقيل: معنى {خلفوا} : فسدوا ، مأخوذ من خلوف الفم.
قوله: {حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ} معناه: أنهم أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية ، وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، و"ما"مصدرية: أي برحبها ، لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الناس أن يكالموهم.
والرحب: الواسع.
يقال: منزل رحب ورحيب ورحاب.
وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديباً لهم ؛ لينزجروا عن المعاصي.
ومعنى ضيق أنفسهم عليهم: أنها ضاقت صدورهم بما نالهم من الوحشة وبما حصل لهم من الجفوة ، وعبر بالظن في قوله: {وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ} عن العلم: أي علموا أن لا ملجأ يلجؤون إليه قط ، إلا إلى الله سبحانه بالتوبة والاستغفار.
قوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ} أي: رجع عليهم بالقبول والرحمة ، وأنزل في القرآن التوبة عليهم ليستقيموا أو وفقهم للتوبة فيما يستقبل من الزمان إن فرطت منهم خطيئة ليتوبوا عنها ، ويرجعوا إلى الله فيها ويندموا على ما وقع منهم {إِنَّ الله هُوَ التواب} أي: الكثير القبول لتوبة التائبين ، {الرحيم} أي: الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده.
قوله: {وَكُونُواْ مَعَ الصادقين} هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله ، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم.