ويجوز أن يكون ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأجل التعريض للمذنبين بأن يتجنبوا الذنوب ، ويتوبوا عما قد لابسوه منها ، وكذلك تاب الله سبحانه على المهاجرين والأنصار ، فيما قد اقترفوه من الذنوب.
ومن هذا القبيل ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله:"إن الله اطلع على أهل بدر ، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"ثم وصف سبحانه المهاجرين والأنصار بأنهم الذين اتبعوا النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فلم يتخلفوا عنه ، وساعة العسرة هي غزوة تبوك ، فإنهم كانوا في عسرة شديدة ، فالمراد بالساعة جميع أوقات تلك الغزاة ، ولم يرد ساعة بعينها ، والعسرة: صعوبة الأمر.
قوله: {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ} في {كاد} ضمير الشأن ، و {قلوب} مرفوع ب {يزيغ} عند سيبويه.
وقيل: هي مرفوعة ب {كاد} ، ويكون التقدير: من بعد ما كان قلوب فريق منهم تزيغ.
وقرأ الأعمش وحمزة وحفص"يزيغ"بالتحتية.
قال أبو حاتم: من قرأ بالياء التحتية ، فلا يجوز له أن يرفع القلوب ب {كاد} .
قال النحاس: والذي لم يجزه جائز عند غيره على تذكير الجمع ، ومعنى: {تزيغ} تتلف بالجهد والمشقة والشدّة.
وقيل معناه: تميل عن الحق وتترك المناصرة والممانعة.
وقيل معناه: تهمّ بالتخلف عن الغزو لما هم فيه من الشدّة العظيمة.
وفي قراءة ابن مسعود"من بعد ما زاغت"وهم المتخلفون على هذه القراءة.
وفي تكرير التوبة عليهم بقوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ} تأكيد ظاهر واعتناء بشأنها ، هذا إن كان الضمير راجعاً إلى من تقدّم ذكر التوبة عنهم ، وإن كان الضمير إلى الفريق فلا تكرار.
قوله: {وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ} أي: وتاب على الثلاثة الذين خلفوا: أي أخروا ، ولم تقبل توبتهم في الحال كما قبلت توبة أولئك المتخلفين المتقدم ذكرهم.
قال ابن جرير: معنى خلفوا: تركوا ، يقال: خلفت فلاناً فارقته.