والمراد الزمان الذي صعب عليهم الأمر جداً في ذلك السفر ، كانوا في عسرة من الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد. وفي عسرة من الزاد تزوّدوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة المنتنة ، وقد بلغت بهم الشدة إلى أن اقتسم التمرة اثنان ثم إلى أن مصتها جماعة ليشربوا عليها الماء ، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فرثها وفي شدة زمان من حرارة القيظ كما قال المنافقون {لا تنفروا في الحر} [التوبة: 81] وقال أبو مسلم: يجوز أن يراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات العسرة التي مرت عليهم في غزواتهم كما ذكر الله تعالى في غزوة الخندق {وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} [الأحزاب: 10] الثالث: ما معنى {كاد يزيغ} وكيف إعرابه؟ والجواب هما استعمالان: كاد زيد يخرج ، وكاد يخرج زيد. معنى الأول كاد زيد خارجاً أي قارب الخروج ، ومعنى الثاني كاد الشأن يكون كذا يعني قارب الشأن هذا الخبر. وشبهه سيبويه بقولهم ليس خلق الله مثله أي ليس الشأن ذاك ولكن ضده ، والزيغ الميل عن الجادة قيل: قارب بعضهم أن يميل عن الإيمان. وقيل: هم بعضهم عند تلك الشدة بالمفارقة ثم حبسوا أنفسهم وصبروا وثبتوا وندموا. وقيل: ما كان إلا حديث نفس بلا عزيمة ومع ذلك خافوا أن يكون معصية. الرابع: ذكر التوبة في أول الآية فلم كررها في قوله: {ثم تاب عليهم} ؟ الجواب إن عاد الضمير في {عليهم} إلى الفريق فلا تكرار ، وإن عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار جميعاً فالتكرير للتوكيد مع رعاية دقيقة هي أن التوبة اكتنفت الذنب من جانبيه ، وذلك أنه بدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطيباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب ، ثم أردفه بذكر التوب ليدل على أن العفو عفو متأكد كما يقول السلطان عند كمال الرضا: عفوت عنك ثم عفوت عنك. وإليه الإشارة بقوله: صلى الله عليه وسلم:"إن الله يغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة"وقال ابن