ثم ذكر أن حكم سائر المؤمنين كذلك فقال: {التائبون} قال الزجاج: إنه مبتدأ محذوف الخبر أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا كقوله {وكلاً وعد الله الحسنى} [النساء: 95] وقيل: التائبون رفع على البدل من الضمير في {يقاتلون} وقيل: مبتدأ خبره {العابدون} وما بعده أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال. أما تفسير هذه الأوصاف فقد قال ابن عباس والحسن: التائبون هم الذين تابوا من الشرك وتبرأوا عن النفاق. ومال آخرون إلى التعميم ليشمل المعاصي أيضاً إذ لا دليل على التخصيص {والعابدون} قال ابن عباس: هم الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم. وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء ، والعبادة لا شك أنها عبارة عن نهاية التعظيم وغاية الخضوع. وقال قتادة: وهم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم. و {الحامدون} هم الذين يقومون بحق شكر نعم الله ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم ، وذلك أن الحمد ذكر من كان قبل آدم لقول الملائكة {ونحن نسبح بحمدك} [البقرة: 30] وذكر أهل الدنيا يقولون في كل يوم سبع عشرة مرة الحمد لله رب العالمين ، وذكر من يكون بعد خراب الدنيا لقوله: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} [يونس: 10] و {السائحون} قال عامة المفسرين: هم الصائمون لقوله:"سياحة أمتي الصيام"ثم قيل: هذا صوم الفرض. وقيل: الذين يديمون الصيام. قال الأزهري: إنما قيل للصائم سائح لأن الذي يسح في الأرض متعبدٌ لا زاد معه فيكون ممسكاً عن الأكل والشرب كالصائم. وقيل: أصل السياحة الاستمرار على الذهاب كالماء الذي يسيح والصائم مستمر على فعل الطاعة وترك المنهي عنه من الأكل والشرب والوقاع. وقال أهل المعنى: الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب انفتحت عليه أبواب المعاني والحكم وتحلت له أنوار المعارف والحقائق فيحصل له سياحة في عالم العقول.