أي أنه صلى الله عليه وسلم حسب من بداية الكون إلى هذا الوقت فرجع بالأمر إلى نصابه وألغي النسيء ؛ هذا النسيء الذي كانوا يقررونه أيام الشرك لتقديم أو لتأخير الأشهر الحرم ؛ لأنهم كانوا إذا أتت الأشهر الحرم ويريدون الحرب يؤجلون الشهر الحرام حتى يمكنهم الاستمرار في الحرب . ولذلك كان الحج في هذه السنة في شهر ذي القعدة . وما دام الحج في شهر ذي القعدة ، تنتهي الشهور الأربعة في العاشر من ربيع الأول . وقيل إن اختيار أربعة الأشهر جاء ليوافق ما شرعه الله في قوله سبحانه تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله يَوْمَ خَلَقَ السماوات والأرض مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة: 36] .
فيكون عدد الأشهر مناسبا لعدد الأشهر الحرم . ولكن هذه المرة فيها ثلاثة أشهر حرم فقط هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، والشهر الرابع هو رجب فكيف يقال أربعة؟
ونقول: إن الأشهر الأربعة الحرم التي فيها رجب هي الأشهر الحرم الدائمة ، أمّا الأشهر الأربعة التي ذكرت في هذه الآية فهي أربعة أشهر للعهد تنتهي بانتهائها ، ولكن أربعة الأشهر الحرم الأصلية تبقى محرمة دائماً ، ولقد شرع الله عز وجل الأشهر الحرم ليحرم دماء الناس من الناس ؛ ذلك أن الحروب بين العرب كانت تستمر سنوات طويلة دون نصر حاسم . فجعل الله الأشهر الحرم حتى يجنح الناس إلى السلم ، ويتحكم فيها العقل وتنتهي الحروب .
وهنا يبلغنا الحق تبارك وتعالى أنه قد أعطى المشركين أربعة أشهر يسيرون فيها آمنين ، لماذا؟ لأن الذي يكون ضعيفا مع خصمه ينتهز أي فرصة يقدر عليه فيها ليستغلها ويقضي عليه ، ولا يمهله أربعة أشهر حتى ولا أربعة أيام . ولكن القوي لا يبالي بمد الأجل لخصمه لأنه يستطيع أن يأتي به في أية لحظة . لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله} [التوبة: 2] .