الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) }
يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} الَّذِينَ صَدَّقُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ {وَلَمْ يُهَاجِرُوا} قَوْمَهُمُ الْكُفَّارَ، وَلَمْ يُفَارِقُوا دَارَ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
{مَا لَكُمْ} أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الْمُهَاجِرُونَ قَوْمَهُمُ الْمُشْرِكِينَ وَأَرْضَ الْحَرْبِ {مِنْ وَلَايَتِهِمْ}
يَعْنِي: مِنْ نُصْرَتِهِمْ وَمِيرَاثِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرْتُ قَوْلَ بَعْضِ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْوَلَايَةِ هَاهُنَا الْمِيرَاثُ، وَسَأَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ حَضَرَنِي ذِكْرُهُ بَعْدُ.
{مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} قَوْمَهُمْ وَدُورَهُمْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
{وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ}
يَقُولُ: إِنِ اسْتَنْصَرَكُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا فِي الدِّينِ، يَعْنِي بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ وَأَعْدَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَعَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ النَّصْرُ، إِلَّا أَنْ يَسْتَنْصِرُوكُمْ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ، يَعْنِي عَهْدٌ قَدْ وَثِقَ بِهِ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ أَنْ لَا يُحَارِبَهُ.
عَنْ قَتَادَةَ: قَالَ:"كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ، وَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ، فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ، وَكَانَ الرَّجُلُ يُسْلِمُ وَلَا يُهَاجِرُ لَا يَرِثُ أَخَاهُ، فَنَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ} "