قلنا: فائدته أن لا يستعد الكفار كل الاستعداد، فيجترئوا على المؤمنين معتمدين على قلتهم، ثم تفجئهم الكثرة فيدهشوا ويتحيروا، وأن يكون ذلك سببا يتنبه به المشركون على نصرة الحق إذا رأوا المؤمنين مع قلتهم في أعينهم منصورين عليهم.
وفي التقليل من الطرفين معارضة تعرف بالتأمل.
[367] فإن قيل: قوله تعالى: (وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال: 46] يدل على حرمة المنازعة والجدال أيضا؛ لأنه منازعة، فكيف تجوز المناظرة وهي منازعة
وجدال؟
قلنا: المراد بالمنازعة هنا، المنازعة في أمر الحرب والاختلاف فيه، لا المنازعة في إظهار الحق بالحجّة والبرهان. والدليل عليه أن ذلك مأمور به.
قال الله تعالى: (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125] ؛ ولكن للجواز شروط يندر وجودها في زمننا هذا، أحدها أن يكون كل المقصود منها ظهور الحق على لسان أيّ الخصمين، كما كانت مناظرة السلف؛ وعلامة ذلك أن لا يفرح بظهور الحق على لسانه أكثر مما يفرح بظهوره على لسان خصمه.
[368] فإن قيل: كيف قال إبليس إِنِّي أَخافُ اللَّهَ) [الأنفال: 48] وهو لا يخاف الله، لأنه لو خافه لما خالفه ثم أضل عبيده؟
قلنا: قال قتادة: صدق عدوّ الله في قوله: (إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ) [الأنفال: 48] يعني جبريل والملائكة عليهم السلام معه نأزلين من السماء لنصرة المسلمين يوم بدر، وكذب في قوله: (إِنِّي أَخافُ اللَّهَ) [الأنفال: 48] . والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له بهم.
وقيل: لما رأى نزول الملائكة على صورة لم يرها قط خاف قيام الساعة التي هي غاية إنظاره، فيحل به العذاب الموعود.
وقيل: معنى أخاف الله: أعلم صدق وعده لنبيه بالنصر، وقد جاء الخوف بمعنى العلم، ومنه قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: 229] .
ويحتمل عندي أن يكون خاف أن يحل به من الملائكة ما دون الإهلاك من الأذى إذ لم يخف الإهلاك.
ثم، أقول: كيف تؤخذ عليه كذبة واحدة، وهو أفسق الفسقة، وأكفر الكفرة؛ فلا عجب في كذبه وإنما العجب في صدقه!) [369] فإن قيل: أي مناسبة بين الشرط والجزاء في قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال: 49] .