ولما كان الغضب مركب الشيطان، فتتعاون النفس الغضبية والشيطان على النفس المطمئنة التي تأمر بدفع الإساءة بالإحسان - أمر أن يعاونها بالاستعاذة منه، فتُمِدّ الاستعاذة النفس المطمئنة فتقوى على مقاومة جيش النفس الغضبية، ويأتي مدد الصبر الذي يكون النصر معه، وجاء مدد الإيمان والتوكل، فأبطل سلطان الشيطان:
{إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99] .
قال مجاهد وعكرمة والمفسرون: ليس له حجة.
والصواب: أن يقال: ليس له طريق يتسلط به عليهم: لا من جهة الحجة، ولا من جهة القدرة. والقدرة داخلة فِي مسمى السلطان، وإنما سميت الحجة سلطانا؛ لأن صاحبها يتسلط بها تسلط صاحب القدرة بيده، وقد أخبر سبحانه أنه لا سلطان لعدوه على عباده المخلصين المتوكلين، فقال فِي سورة الحجر:
{قَالَ رَبِّ بمَا أَغْوَيْتَنِى لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الأرْضِ وَلأغْوِيَنّهُمْ أَجْمَعِينَ إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخْلَصِينَ قَالَ هذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 39 - 42] .
وقال فِي سورة النحل: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكّلُونَ * إِنّمَا
سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشرِكُونَ [النحل: 99 - 100] .
فتضمن ذلك أمرين: أحدهما نفى سلطانه وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص. والثاني إثبات سلطانه على أهل الشرك وعلى من تولاه. انتهى انتهى. {إغاثة اللهفان حـ 1 صـ 92 - 98}