وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَفَ عَلَى مَا أَسْلَفَ مِنْ زَلَلِهِ غَيْرَ تَارِكٍ وَلَا مُتَجَاوِزٍ فَوُقُوفُ الْمَرَضِ أَحَدُ البرأين، وَكَفُّهُ عَنْ الزِّيَادَةِ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، وَقَدْ اسْتَبْقَى بِالْوُقُوفِ عَنْ الْمُتَجَاوِزِ أَحَدَ شَطْرَيْهِ فَعَوَّلَ بِهِ عَلَى صَلَاحِ شَطْرِهِ الْآخَرِ. وَإِيَّاكَ وَإِرْجَاءَهُ فَإِنَّ الْإِرْجَاءَ يُفْسِدُ شَطْرَ صَلَاحِهِ، وَالتَّلَافِيَ يُصْلِحُ شَطْرَ فَسَادِهِ، فَإِنَّ مَنْ سَقِمَ مِنْ جِسْمِهِ مَا لَمْ يُعَالِجْهُ سَرَى السَّقَمُ إلَى صِحَّتِهِ، وَإِنْ عَالَجَهُ سَرَتْ الصِّحَّةُ إلَى سَقَمِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَجَاوَزَ مَعَ الْأَوْقَاتِ فَيَزِيدَ فِيهِ عَلَى مُرُورِ الْأَيَّامِ، فَهَذَا هُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِدْرَاكُهُ وَتَأَتَّى اسْتِصْلَاحُهُ، وَذَلِكَ بِاسْتِنْزَالِهِ عَنْهُ إنْ عَلَا، وَبِإِرْغَابِهِ إنْ دَنَا، وَبِعِتَابِهِ إنْ سَاوَى، وَإِلَّا فَآخِرُ الدَّاءِ الْعَيَاءِ الْكَيُّ. وَمَنْ بَلَغَتْ بِهِ الْأَعْذَارُ إلَى غَايَتِهَا فَلَا لَائِمَةَ عَلَيْهِ وَالْمُقِيمُ عَلَى شِقَاقِهِ بَاغٍ مَصْرُوعٌ.
وَقَدْ قِيلَ: مَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ أَغْمَدَهُ فِي رَأْسِهِ فَهَذَا شَرْطٌ. وَأَمَّا الْمُسَامَحَةُ فِي الْحُقُوقِ؛ فَلِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مُوحِشٌ وَالِاسْتِقْصَاءَ مُنَفِّرٌ وَمَنْ أَرَادَ كُلَّ حَقِّهِ مِنْ النُّفُوسِ الْمُسْتَصْعَبَةِ بِشُحٍّ أَوْ طَمَعٍ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ إلَّا بِالْمُنَافَرَةِ وَالْمُشَاقَّةِ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إلَّا بِالْمُخَاشَنَةِ وَالْمُشَاحَّةِ؛ لِمَا اسْتَقَرَّ فِي الطِّبَاعِ مِنْ مَقْتِ مَنْ شَاقَّهَا وَنَافَرَهَا، وَبُغْضِ مَنْ شَاحَّهَا وَنَازَعَهَا، كَمَا اسْتَقَرَّ حُبُّ مَنْ يَاسَرَهَا
وَسَامَحَهَا فَكَانَ أَلْيَقُ لِأُمُورِ الْمُرُوءَةِ اسْتِلْطَافَ النُّفُوسِ بِالْمُيَاسَرَةِ وَالْمُسَامَحَةِ، وَتَأَلُّفَهَا بِالْمُقَارَبَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ عَاشَرَ إخْوَانَهُ بِالْمُسَامَحَةِ دَامَتْ لَهُ مَوَدَّاتُهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: إذَا أَخَذْت عَفْوَ الْقُلُوبِ زَكَا رِيعُك، وَإِنْ اسْتَقْصَيْت أَكْدَيْتَ.
وَالْمُسَامَحَةُ نَوْعَانِ فِي عُقُودٍ وَحُقُوقٍ.