وَلَا يَخْلُو فِيمَا أَتَاهُ مِنْ أَرْبَعِ أَحْوَالٍ: فَالْحَالُ الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ مَوْتُورًا قَدْ قَابَلَ عَلَى وَتْرَتِهِ وَكَافَأَ عَلَى مُسَاءَتِهِ فَاللَّائِمَةُ عَلَى مَنْ وَتَرَهُ عَائِدَةٌ، وَإِلَى الْبَادِئِ بِهَا رَاجِعَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُكَافِئَ أَعَذْرُ، وَإِنْ كَانَ الصَّفْحُ أَجْمَلَ. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إيَّاكُمْ وَالْمُشَارَّةَ فَإِنَّهَا تُمِيتُ الْغَيْرَةَ وَتُحْيِي الْغُرَّةَ» .
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ فَعَلَ مَا شَاءَ لَقِيَ مَا لَمْ يَشَأْ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: مَنْ نَالَتْهُ إسَاءَتُك هَمَّهُ مُسَاءَتُك.
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ أُولِعَ بِقُبْحِ الْمُعَامَلَةِ أُوجِعَ بِقُبْحِ الْمُقَابَلَةِ.
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ:
إذَا وَتَرْت امْرَأً فَاحْذَرْ عَدَاوَتَهُ ... مَنْ يَزْرَعْ الشَّوْكَ لَا يَحْصُدْ بِهِ عِنَبَا
إنَّ الْعَدُوَّ وَإِنْ أَبْدَى مُسَالَمَةً ... إذَا رَأَى مِنْك يَوْمًا فُرْصَةً وَثَبَا
وَالْإِغْضَاءُ عَنْ هَذَا أَوْجَبُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمُكَافَأَةُ ذَنْبًا لِأَنَّهُ قَدْ رَأَى عُقْبَى إسَاءَتِهِ، فَإِنْ وَاصَلَ الشَّرَّ وَاصَلْته الْمُكَافَأَةُ.
وَقَدْ قِيلَ: بِاعْتِزَالِك الشَّرَّ يَعْتَزِلُك وَبِحُسْنِ النَّصَفَةِ يَكُونُ الْمُوَاصِلُونَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ كُنْت سَبَبًا لِبَلَائِهِ وَجَبَ عَلَيْك التَّلَطُّفُ لَهُ فِي عِلَاجِهِ مِنْ دَائِهِ.
وَقَدْ قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
إذَا كُنْت لَمْ تُعْرِضْ عَنْ الْجَهْلِ وَالْخَنَا ... أَصَبْت حَلِيمًا أَوْ أَصَابَك جَاهِلُ
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ عَدُوًّا قَدْ اسْتَحْكَمَتْ شَحْنَاؤُهُ، وَاسْتَوْعَرَتْ سَرَّاؤُهُ، وَاسْتَخْشَنَتْ ضَرَّاؤُهُ، فَهُوَ يَتَرَبَّصُ بِدَوَائِرِ السَّوْءِ انْتِهَازَ فُرَصِهِ، وَيَتَجَرَّعُ بِمَهَانَةِ الْعَجْزِ مَرَارَةَ غُصَصِهِ، فَإِذَا ظَفِرَ بِنَائِبَةٍ سَاعَدَهَا، وَإِذَا شَاهَدَ نِعْمَةً عَانَدَهَا، فَالْبُعْدُ مِنْهُ حَذَرًا أَسْلَمُ، وَالْكَفُّ عَنْهُ مُتَارَكَةً أَغْنَمُ، فَإِنَّهُ لَا يُسْلَمُ مِنْ عَوَاقِبِ شَرِّهِ، وَلَا يُفْلَتُ مِنْ غَوَائِلِ مَكْرِهِ.