فَإِنْ أَغْنَتْهُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْجَاهِ عَنْ الِاسْتِعَانَةِ بِالْمَالِ، فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّعَرُّضِ لِلْمَالِ، وَيَعْدِلُ إلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ فَإِنَّ الْحَوَائِجَ عِنْدَهُمْ أَنْجَحُ وَهِيَ عَلَيْهِمْ أَسْهَلُ، وَهُمْ لِذَلِكَ مَنْدُوبُونَ، فَهُمْ لَا يَجِدُونَ لَهُمْ مُسَاوِيًا وَلِيَصْبِرَنَّ عَلَى إبْطَائِهِمْ فَإِنَّ تَرَاكُمَ الْأُمُورِ عَلَيْهِمْ يَشْغَلُهُمْ إلَّا عَنْ الْمُلِحِّ الصَّبُورِ.
وَلِذَلِكَ قِيلَ: قَدِّمْ لِحَاجَتِك بَعْضَ لَجَاجَتِك.
وَقَالَ أَبُو سَارَةَ سُحَيْمُ بْنُ الْأَعْرَفِ:
تُعِدُّ قَرَابَةً وَتُعِدُّ صِهْرًا ... وَيَسْعَدُ بِالْقَرَابَةِ مَنْ رَعَاهَا
وَمَا زُرْنَاك مِنْ عَدَمٍ وَلَكِنْ ... يَهَشُّ إلَى الْإِمَارَةِ مَنْ رَجَاهَا
وَأَيًّا مَا فَعَلْتَ فَإِنَّ نَفْسِي ... تَعُدُّ صَلَاحَ نَفْسِك مِنْ غِنَاهَا
فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ صَلَاحُ حَالِهِ إلَّا بِمَالٍ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى نَوَائِبِهِ كَانَ لَهُ مَعَ الضَّرُورَةِ فُسْحَةٌ. لَكِنْ إنْ وَجَدَهُ قَرْضًا مَرْدُودًا لَمْ يَأْخُذْهُ صِلَةً وَجُودًا، فَإِنَّ الْقَرْضَ مُسْتَسْمَحٌ بِهِ فِي الْمُرُوآت.
هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ مَا أَعْلَى اللَّهُ مِنْ قَدْرِهِ وَفَضَّلَهُ عَلَى خَلْقِهِ، قَدْ اقْتَرَضَ ثُمَّ قَضَى فَأَحْسَنَ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْيَاهُ رِزْقُ اللَّهِ تَعَالَى حَلَالًا فَلْيَسْتَدِنْ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ» .
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُسْتَدِينُ تَاجِرُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ» .
وَقَالَ الْبُحْتُرِيُّ:
إنْ لَمْ يَكُنْ كُثْرٌ فَقُلْ عَطِيَّةٌ ... يَبْلُغْ بِهَا بَاغِي الرِّضَا بَعْضَ الرِّضَا
أَوْ لَمْ يَكُنْ هِبَةٌ فَقَرْضٌ يُسِّرَتْ ... أَسْبَابُهُ وَكَوَاهِبٍ مَنْ أَقْرَضَا
وَلَئِنْ كَانَ الدَّيْنُ رِقًّا فَهُوَ أَسْهَلُ مِنْ رِقِّ الْإِفْضَالِ.