فَأَمَّا اللَّازِمُ فَمَا أَقَامَ بِالْكِفَايَةِ وَأَفْضَى إلَى سَدِّ الْخَلَّةِ. وَعَلَيْهِ فِي طَلَبِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: وَاحِدُهَا: اسْتِطَابَتُهُ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُبَاحَةِ وَتَوَقِّي الْمَحْظُورَةِ فَإِنَّ الْمَوَادَّ الْمُحَرَّمَةَ مُسْتَخْبَثَةُ الْأُصُولِ، مَمْحُوقَةُ الْمَحْصُولِ، إنْ صَرَفَهَا فِي بِرٍّ لَمْ يُؤْجَرْ، وَإِنْ صَرَفَهَا فِي مَدْحٍ لَمْ يُشْكَرْ، ثُمَّ هُوَ لِأَوْزَارِهَا مُحْتَقِبٌ، وَعَلَيْهَا مُعَاقَبٌ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُعْجِبُك رَجُلٌ كَسَبَ مَالًا مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ فَإِنْ أَنْفَقَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَإِنْ أَمْسَكَهُ فَهُوَ زَادُهُ إلَى النَّارِ» .
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: شَرُّ الْمَالِ مَا لَزِمَك إثْمُ مَكْسَبِهِ وَحُرِمْتَ أَجْرَ إنْفَاقِهِ.
وَنَظَرَ بَعْضُ الْخَوَارِجِ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ يَتَصَدَّقُ عَلَى مِسْكِينٍ، فَقَالَ: انْظُرْ إلَيْهِمْ حَسَنَاتُهُمْ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ:
سُرَّ مَنْ عَاشَ مَالُهُ فَإِذَا ... حَاسَبَهُ اللَّهُ سَرَّهُ الْإِعْدَامُ
وَالثَّانِي: طَلَبُهُ مِنْ أَحْسَنِ جِهَاتِهِ الَّتِي لَا يَلْحَقُهُ فِيهَا غَضٌّ، وَلَا يَتَدَنَّسُ لَهُ بِهَا عِرْضٌ، فَإِنَّ الْمَالَ يُرَادُ لِصِيَانَةِ الْأَعْرَاضِ لَا لِابْتِذَالِهَا، وَلِعِزِّ النُّفُوسِ لَا لِإِذْلَالِهَا.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَا حَبَّذَا الْمَالُ أَصُونُ بِهِ عِرْضِي وَأُرْضِي بِهِ رَبِّي.
وَقَالَ أَبُو بِشْرٍ الضَّرِيرُ:
كَفَى حُزْنًا أَنِّي أَرُوحُ وَأَغْتَدِي ... وَمَا لِي مِنْ مَالٍ أَصُونُ بِهِ عِرْضِي
وَأَكْثَرُ مَا أَلْقَى الصَّدِيقَ بِمَرْحَبًا ... وَذَلِكَ لَا يَكْفِي الصَّدِيقَ وَلَا يُرْضِي
وَسُئِلَ ابْنُ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ مِنْ حِسَانِ الْوُجُوهِ» .
فَقَالَ: مَعْنَاهُ مِنْ أَحْسَنِ الْوُجُوهِ الَّتِي تَحِلُّ.