فإن قلت: لم قال: أمما، وتقطيعهم آحاد مفترقين أنحى وأبلغ من تقطيعهم؟ فالجواب: أن هذا أبلغ في كمال الإعجاز؛ لأن كونهم أمما يقتضي الطمع في وقوع القلب، ولكنهم بعجزهم في هذه الحالة أبلغ وأدل على كمال العجز.
قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ) .
قال ابن عطية: إما أن المراد ومنهم غير الصالحين أي: من الكفار، وإما أن المراد ومنهم من اتصف بما دون الصلاح.
قوله تعالى: {وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ... (169) } .. ابن عرفة: هذا على سبيل الاحتراس لما استغفروا وتابوا؛ اقتضى ذلك عدم رجوعهم إلى العصيان، ومن تاب عن المعصية يبعد رجوعه إليها كمن زنا بامرأة جميلة فإنه لَا يسترجع زناه بعد ذلك بامرأة جميلة الصورة، وكذلك من تاب عن سرقة دينار إذا وجدها بعد ذلك، وهؤلاء لو قيل في حقهم، ويقولون: سيغفر لنا قوله استغفارهم من ذلك الذنب، وأنهم لم يرجعوا إلى مثل الذنب الذي استغفروا منه بل إلى ما هو أخف إلى النفس منه، فقيل: لا يأتيهم من حيث لو آتاهم عرض مثله لأخذوه.
قوله تعالى: (أَلَمْ يُؤخَذ عَلَيهِم مِيثَاقُ الْكِتَابِ) .
إما تقرير لأخذ الميثاق عليهم وإنكار لما ادعوه من عدم أخذ الميثاق عليهم.
قوله تعالى: (أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) .
قال ابن عرفة: تقدم فيها سؤال وهو أنه قد رد المدح في حقهم بما اتصفوا به من فعل وقول، فقال: يأخذون عرض هذا الأدنى، ويقولون: سيغفر لنا، وأكد تقرير الذم بالفعل بتكراره، لقوله (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) . ثم لما انتقل لمقام الرد عليهم ذكر فيه تقبيح قولهم دون فعلهم وهو: (أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) ، قال: وأجيب بوجهين: الأول:
أن القول يستلزم الفعل وهو سبب فيه، فاكتفى بالسبب عن مسبه.
الثاني: قوله (وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ) . وتلك الجملة هي معمولة لقوله (وَدَرَسُوا مَا فِيهِ) . أيضا أن الدار الآخرة خير ولم يعملوا بها بل عملوا بنقيضها، وهذا هو الفعل وهو أخذهم عرض الدنيا ونبذهم عرض الآخرة.
قوله تعالى: (وَدَرَسُوا مَا فِيهِ) .