{فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ} تكبروا عن ترك ما نهوا عنه كقوله تعالى: {وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ} {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين} كقوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} والظاهر يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولاً بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك فمسخهم، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريراً وتفصيلاً للأولى. روي: أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين كرهوا مساكنتهم، فقسموا القرية بجدار فيه باب مطروق، فأصبحوا يوماً ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين فقالوا: إن لهم شأناً فدخلوا عليهم فإذا هم قردة فلم يعرفوا أنسباءهم ولكن القردة تعرفهم، فجعلت تأتي أنسباءهم وتشم ثيابهم وتدور باكية حولهم ثم ماتوا بعد ثلاث. وعن مجاهد مسخت قلوبهم لا أبدانهم.
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} أي أعلم تفعل من الإيذان بمعناه كالتوعد والإِيعاد، أو عزم لأن العازم على الشيء يؤذن نفسه بفعله فأجرى مجرى فعل القسم {كعلم الله} و {شَهِدَ الله} . ولذلك أجيب بجوابه وهو: {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة} والمعنى وإذ أوجب ربك على نفسه ليسلطن على اليهود. {مَن يَسُومُهُمْ سُوء العذاب} كالإِذلال وضرب الجزية، بعث الله عليهم بعد سليمان عليه السلام بختنصر فخرب ديارهم وقتل مقاتليهم وسبى نساءهم وذراريهم وضرب الجزية على من بقي منهم، وكانوا يؤدونها إلى المجوس حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم ففعل ما فعل ثم ضرب عليهم الجزية فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر. {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب} عاقبهم في الدنيا. {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن تاب وآمن.