وقال قوم: (لا يجوز أن يُظن بموسى أن الله - عز وجل - يهلك قومًا بذنوب غيرهم، ولكن قوله: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} استفهام على تأويل الجحد، وأراد: لست تفعل ذلك كما تقول: أتهين من يكرمك؟ أي: لست تهين من يكرمك) ، وهذا قول ابن الأنباري , [و] على هذا أنكر موسى أن يكون سبب إهلاكهم فعل السفهاء، وكأنه لم يعلم سبب إهلاكهم، وأنكر أن يكون فعل السفهاء سبب الإهلاك.
وقال المبرد: (هذا استفهام استعطاف أي: لا تهلكنا) .
وقوله: {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ} . الكناية في قوله {هِيَ} تعود إلى الفتنة، [كما تقول: إن هو إلا زيد، وإن هي إلا هند، والمعنى: إن تلك الفتنة] التي وقع فيها السفهاء لم تكن {إِلَّا فِتْنَتُكَ} أي: اختبارك، وابتلاؤك، وهذا تأكيد لقوله: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} لأن معناه: لا تهلكنا بفعلهم، فإن تلك الفتنة كانت اختبارًا منك وابتلاءً أضللت بها قوماً فافتتنوا، وهديت قومًا فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك، فذلك معنى قوله: {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ} . وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر.
156 -قوله تعالى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً} . أي: أوجب لنا، والكتابة تذكر بمعنى الإيجاب، وقد مضى ذلك، وسؤالهم الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر الله عنهم في قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201] . ومضى تفسير هذه الآية.
و قال ابن عباس في الآية في هذه السورة: (يريد: اقبل وفادتنا وردنا بالمغفرة والرحمة) ، {وَفِي الْآخِرَةِ} ، قال: (يريد: حسنة، يعني: الجنة) . وقول ابن عباس: (يريد: حسنة) ، يعني: إن تقدير الآية: