وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالنَّعْتِ وَالصِّفَةِ الْمَكْتُوبَةِ عِنْدَهُمُ الَّتِي هِيَ مُنْطَبِقَةٌ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَأَحَدُنَا أَعْرَفُ بِهِ مِنَ ابْنِهِ، إِنَّ أَحَدَنَا لَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِ امْرَأَتِهِ وَمَا يَدْرِي مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ.
وَلِهَذَا أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنِ اتِّبَاعِهِ فَقَالَ: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا حَضَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ يَدَيِ النَّجَاشِيِّ وَقَرَءُوا الْقُرْآنَ، سَمِعَ ذَلِكَ الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ، فَانْحَدَرَتْ دُمُوعُهُمْ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} .