وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَزَادَهُ شَرَفًا وَصَلَاةً وَسَلَامًا، نَادَى مُعْلِنًا فِي هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا أَعْلَمُ الْأُمَمِ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ بِأَنَّ ذِكْرَهُ وَنَعْتَهُ وَصِفَتَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ، وَهُوَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجَهَارًا فِي كُلِّ مَجْمَعٍ، وَكُلِّ نَادٍ، يَدْعُوهُمْ لِذَلِكَ - يَعْنِي إِلَى تَصْدِيقِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ - فَمِنْهُمْ مَنْ يُصَدِّقُهُ وَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُخْبِرُ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ مَنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ وَذِكْرِهِ، كَمَا سَيَمُرُّ بِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَغَايَةُ الْمُكَذِّبِ الْجَاحِدِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْوَصْفُ حَقٌّ، وَلَكِنْ لَسْتَ أَنْتَ الْمُرَادَ بِهِ بَلْ نَبِيٌّ آخَرُ، وَهَذَا غَايَةُ مَا يُمْكِنُهُ مِنَ الْمُكَابَرَةِ، وَلَمْ تُجْزِ عَنْهُ هَذِهِ الْمُكَابَرَةُ إِلَّا كَشْفَ عَوْرَتِهِ وَإِبْدَاءَ الْفَضِيحَةِ بِالْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ، فَإِنَّ الصِّفَاتِ وَالنُّعُوتَ وَالْعَلَامَاتِ الْمَذْكُورَةَ عِنْدَهُمْ مُنْطَبِقَةٌ عَلَيْهِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، بِحَيْثُ لَا يَشُكُّ مَنْ عَرَفَهَا وَرَآهُ أَنَّهُ هُوَ
كَمَا عَرَفَهُ سَلْمَانُ، وَكَمَا عَرَفَهُ هِرَقْلُ بِتِلْكَ الْعَلَامَاتِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا أَبَا سُفْيَانَ، وَطَابَقَتْ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَسَيَمْلِكُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُمْ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ عَرَفُوهُ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} .